بحث في موسوعة القانون المشارك

الخميس، 29 ديسمبر 2016

سبب الالتزام -مقدمة البحث


الفرع الثالث

السبب ( * )

 ( La Cause )

242 – السبب عنصر متميز عن الإرادة ولكنه متلازم معها
نعرف السبب تعريفاً أولياً بأنه هو الغرض المباشر الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . والفرق بينه وبين المحل – كما يقال عادة – هو أن المحل جواب من يسأل : بماذا التزم المدين ( Quid debetur الاصطلاح لاتيني، أما السبب فجواب من يسال : لماذا التزم المدين ( Cur debetur )الاصطلاح لاتيني( [1] ) .
والسبب بهذا المعنى لا يكون عنصرا في كل التزام ، بل يقتصر على الالتزام العقدي إذا الالتزام غير العقدي لم يقم على إرادة الملتزم حتى يصح السؤال عن الغرض المباشر الذي قصد إليه الملتزم من وراء التزامه .
والسبب كعنصر في الالتزام العقدي دون غيره إنما يتصل أوثق الاتصال بالإرادة . والحق أن السبب ليس هو الإرادة ذاتها ، ولكنه هو الغرض المباشر الذي اتجهت إليه الإرادة . فهو ليس عنصراً من عناصر الإرادة يتوحد معها ، بل هو عنصر متميز عن الإرادة . ولكن لما كانت الإرادة البشرية لا يمكن أن تتحرك دون أن تتجه إلى سبب ، أي دون أن ترمي إلى غرض تهدف لتحقيقه ، لذلك كان السبب ، وإن تميز عن الإرادة ، متصلا بها أوثق الاتصال . فحيث توجد الإرادة يوجد السبب . ولا تتصور إرادة لا تتجه إلى سبب إلا إذا صدرت عن غير وعي ، كإرادة المجنون . ولكننا رأينا أن الإرادة لا يعتد بها إلا إذا صدرت عن وعي وتميز ، فالإرادة المعتبرة قانوناً لا بد لها من سبب .
ويمكن إذن أن نستخلص مما تقدم أن 
السبب ركن في العقد غير ركن الإرادة. ولكن الركنين متلازمان، لا ينفك أحدهما عن الآخر
 ( [2] ) .
243 – السبب والإرادة معنيان متلازمان ولكن السبب والشكل معنيان متعارضان
وتاريخ نظرية السبب يقوم على الحقيقة الآتية : كلما زاد حظ الإرادة في تكوين العقد ، وضعف حظ الشكل ، زادت أهمية السبب . ذلك لأن الإرادة ، من حيث إنها تحدث آثاراً قانونية ، إذا انطلقت من قيود الشكل ، وجب أن تتقيد بالسبب . وعند ما كان الشكل وحده – دون الإرادة – هو الذي يكون العقد ، لم يكن للسبب من أثر . وبدأ السبب في الظهور عندما بدأت الإرادة تتحرر متدرجة من قيود الشكل . وكلما زاد تحررها من هذه القيود زاد رطبها بقيود السبب ، إلى أن تم تحريرها ، فوجدت نظرية السبب كاملة تحل محل الشكل .
ونرى مما تقدم أنه حيث يتغلب الشكل يقل شأن السبب ، وحيث يضعف الشكل يقوى أمر السبب . هكذا كانت الحال في القانون الروماني : فقد بدأ هذا القانون شكلياً ، فلم يكن فيه إذ ذاك للسبب نصيب . ولما أخذ الشكل يتقلص وتظهر العقود الرضائية ، بدا السبب يظهر بظهور الإرادة ليكون قيداً لها بدلا من الشكل . وهكذا كانت الحال في القانون الفرنسي القديم : فإن السبب لم يكد يعرف فيه إلا عندما وصل رجال الكنيسة إلى تقرير الرضائية في العقود . فظهر السبب بعد أن كانت الشكلية تستره ، وبرز قوياً ليحوط الإرادة بقيود تحل محل قيود الشكل ، وهكذا هي الحال في القانون الحديث حيث الشكلية تكاد تنعدم ، فأينعت نظرية السبب وتطورت ، بل لعلها رجعت إلى أصلها قوية كما كانت في القانون الكنسي ، لولا أن العقد المجرد حل محل العقد الشكلي في الانتقاص من سلطان السبب .
244 – علاقة السبب بالمشروعية وبعيوب الإرادة :  
منذ تحررت الإرادة من الشكل ، حاطها السبب بقيود على ما قدمنا . وبدأ ذلك يكون لحماية المجتمع عن طريق المشروعية وفي صورة السبب المشروع . فالإرادة حتى تنتج أثرها يجب أن تتجه إلى غرض مشروع لا يتعارض مع النظام العام ولا مع الآداب ، وذلك حماية للمجتمع ، ثم اتخذت نظرية السبب لها هدفاً آخر إلى جانب هذا الهدف الأول ، فصارت تحمى المتعاقد نفسه من هزله ونسيانه ومما قد يقع فيه من غلط أو تدليس أو إكراه . وهكذا بعد أن تحررت الإرادة من الشكلية أخذت تتحرر من العيوب عن طريق نظرية السبب . وبعد أن قامت نظرية السبب لحماية المجتمع ، أخذت تقوم لحماية المجتمع والمتعاقدين جميعاً .
ولعل أول صورة تمثلت لعيوب الإرادة انطبعت في نظرية السبب . ثم أخذت عيوب الإرادة تستقل عن السبب شيئاً فشيئاً ، وتكسب لها كياناً ذاتياً خارجاً عن منطقة السبب . فانفصل الإكراه ، ثم انفصل التدليس . وأصبح السبب الآن لا يختلط إلا بالغلط في منطقة مشتركة ، هي منطقة السبب المغلوط أو الغلط في السبب . وقد أتم القانون المدني الجديد هذا التطور ، ففصل بين الغلط والسبب فصلا تاماً . وأصبح السبب في هذه القانون مقصوراً على السبب المشروع . وهذه الدائرة المحدودة – دائرة السبب المشروع – هي الدائرة الأولى التي نشأ فيها السبب عندما بدأ يظهر في القانون الكنسي ، وبذلك رجع السبب سيرته الأولى ، وعاد كما بدأ .
ذات صلة
المشروعية
النظام العام
الآداب
القانون الكنسي

245 – تطور العقد من عقد شكلي إلى عقد رضائي مسبب إلى عقد رضائي مجرد
وتاريخ نظرية السبب يهدينا إلى حقيقة أخرى . فسيقرئنا هذا التاريخ أن العقد بدأ عقداً شكلياً ( contrat formel ) حيث السبب لا اثر له كما قدمنا . ثم تطور إلى عقد رضائي ( contrat consensuel ) حيث السبب له اكبر الأثر ثم تطور اخيراً إلى عقد مجرد ( contrat abstrait ) حيث انفصلت الإرادة عن سببها ولم يعد للسبب إلا اثر غير مباشر .
 وسنرى أن القانون المصري الجديد لم يماش هذا التطور إلى نهايته ، ولم يسر في ذلك على نهج القوانين الجرمانية ، بل حرص على أن يبقى في دائرة القوانين اللاتينية ، حيث لايزال العقد رضائياً ، وحيث تشغل نظرية السبب في العقد المكان البارز ، وحيث لا يوجد العقد المجرد إلا في دائرة محدودة ضيقة .
مصطلحات ذات صلة 
عقد رضائي مسبب
عقد رضائي مجرد
 عقد شكلي
246 – خطة البحث في نظرية السبب
ونستعرض نظرية السبب في مبحثين ، نتعقب في 
ونبسط في  المبحث الثاني نظرية السبب في القانون الحديث .

 ( [1] ) وأول من قال بهذه المقارنة المشهورة بين المحل والسبب هو الأستاذ اودو ( Audot ) ، ثم نقل عنه كثير من الفقهاء : اوبرى ورو 4 ص 546 هامش رقم 2 – هيك 7 ص 75 – ديمولومب 24 فقرة 345 وفقرة 355 – لوران 16 فقرة 109 – بودري وبارد 1 فقرة 297 وفقرة 302 – ديموج 2 فقرة 744 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 279 .
 ( [2] ) أنظر آنفاً فقرة 68 .

مقالات ذات صلة

سبب الالتزام -مقدمة البحث
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح