بحث في موسوعة القانون المشارك

الأربعاء، 28 ديسمبر 2016

المحل موجود أوممكن -شروط محل الالتزام

الشرط الأول

المحل موجود أو ممكن

1 – المحل موجود
215 – معنى الوجود : إذا كان الالتزام محله نقل حق عيني ، فالشيء الذي تعلق به هذا الحق يجب أن يكون موجوداً . والمعنى المقصود من الوجود هو أن يكون الشيء موجوداً وقت نشوء الالتزام أو أن يكون ممكن الوجود بعد ذلك .
وقد يقصد المتعاقدان أن يقع الالتزام على شيء موجود فعلا لا على شيء ممكن الوجود . فإذا لم يكن الشيء موجوداً في هذه الحالة – حتى لو أمكن وجوده في المستقبل – فإن الالتزام لا يقوم . كذلك يكون الحكم إذا وجد الشيء ثم هلك قبل نشوء الالتزام . أما إذا هلك بعد نشوء الالتزام ، فإن الالتزام يكون قد قام وقت نشوئه على محل موجود ، ويكون العقد بعد ذلك قابلا للفسخ إذا تسبب عن هلاك الشيء عدم قيام أحد المتعاقدين بما التزم به .

فإذا لم يقصد المتعاقدان أن يقع الالتزام على شيء موجود فعلا وقت نشوء الالتزام ، جاز أن يقع الالتزام على شيء يوجد في المستقبل .

216 – المحل المستقبل : رأينا أنه يجوز التعاقد على محل مستقبل . وقد نصت الفقرة الأولى من المادة 131 من القانون المدني الجديد صراحة على ذلك إذ تقول : " يجوز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلا ( [1] ) " . وقد يبدو أن هذا النص بديهي ، فهو يردد حكماً تقضي به القواعد العامة ، إذ ليس في هذه القواعد ما يمنع من أن يكون المحل الاقبل للتعيين غير موجود وقت نشوء الالتزام إذا كان من شأنه أن يوجد أو أن يكون من الممكن وجوده في المستقبل . ولكن النص مع ذلك أتى بحكم يخالف المعروف من قواعد الفقه الإسلامي ( [2] ) ، فإن هذه القواعد تقضي بأن التعامل لا يصح إلا في شيء موجود ، فبيع المعدوم باطل ، واستثنى السلم ، وجاء الإيجار وهو بيع منافع مستقبلة على خلاف القياس . وقد تأثر القانون المدني المختلط القديم بقواعد الفقه الإسلامي فنص في المادة 330 على ان " بيع اثمار الشجر قبل انعقادها والزرع قبل نباته باطل ( [3] ) " . من أجل ذلك حرص القانون الجديد على اباحة التعامل في الأشياء المستقبلة بنص صريح ( [4] ) .

ويترتب على ذلك أنه يجوز بيع المحصولات المستقبلة قبل أن تنبت ، بثمن مقدر جزافاً أو بسعر الوحدة . وقد قضى القانون الجديد على أما كان من خلاف في هذا بين القانون الوطني والقانون المختلط ، ويترتب على ذلك أيضاً أنه يصح أن يبيع شخص من آخر منزلا لم يبدأ بناءه على أن تنتقل ملكية المنزل إلى المشتري عند تمام البناء . فهذا بيع شيء مستقبل محقق الوجود . وقد يكون الشيء المستقبل محتمل الوجود كما إذا باع شخص نتاج ماشية قبل وجودها ، فالنتاج قد يوجد وقد لا يوجد ، والبيع هنا يكون معلقاً على شرط يتحقق إذا وجد النتاج ( [5] ) .

والواقع من الأمر أن التعامل في الشيء المستقبل كثير الوقوع في الحياة العملية . فكثيراً ما يقع أن يبيع صاحب مصنع قدراً معيناً من مصنوعاته دون أن يكون قد اتم صنعها ، بل لعله لا يكون قد بدا في ذلك ، وقد يبيع مزارع محصولات أرضه قبل ظهورها كما رأينا . ويبيع مؤلف مؤلفه قبل أن يتمه ، بل قبل أن يبدأه . وينزل مقاول عن الأجر في مقاولة لم ترس عليه بعد . هذه كلها عقود واقعة على شيء مستقبل ، وهي صحيحة .

على أن القانون قد يحرم لاعتبارات خاصة ضروباً من التعامل في الشيء المستقبل ، كما فعل عندما جعل باطلا رهن المال المستقبل رهناً رسمياً ( م 1033 فقرة 2 ) أو رهنا حيازياً ( م 1098 ) وقد يحرم جميع ضروب التعامل في نوع خاص من المال المستقبل كما فعل عند ما حرم التعامل في التركة المستقبلة ، وهذا ما ننتقل الآن إليه .
217 – التركة المستقبلة : نصت الفقرة الثانية من المادة 131 من القانون الجديد على ما يأتي : " غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل ولو كان برضاه ، إلا في الأحوال التي نص عليها في القانون ( [6] ) " . وهذه القاعة ترجع في أصلها الأول إلى القانون الرومانين فقد كان هذا القانون يعد التعامل في التركات المستقبلة مخالفاً للآداب لأن من يتعامل في تركة شخص لا يزال حياً إنما يضارب على موته ، ويعده كذلك مخالفاً للنظام العام إذ هو خليق أن يغري ذا المصلحة بالتعجيل بموت المورث . فالرومان عندما حرموا التعامل في التركة المستقبلة كانوا ينظرون إلى مصلحة المورث ، لذلك كانوا يبيحونه إذا اشترك هذا في العقد . أما القوانين الحديثة فتحرم هذا التعامل لا لمصلحة المورث وحده ، بل لمصلحته ولمصلحة الوارث معاً ، فإن الوارث التي يتعامل في تركة مستقبلة يغلب أن يكون نزفاً لا يقف عند تبديد ما يصل إلى يده من المال في الحال بل يبدد كذلك ما يحتمل أن يملكه في المستقبل . فتحريم هذا التعامل تقرر حماية له من نزقه . لذلك كان التحريم مطلقاً ، لا يرتفع حتى لو رضى المورث خلافاً للقانون الروماني . وجزاء التحريم إذن هو البطلان المطلق بما يستتبعه هذا البطلان من نتائج قانونية .
وكل ضرب من التعامل في تركة مستقبلة باطل ، أياً كان الطرفان ، وأيا كان نوع التعام لز وقد كان هذا هو الحكم أيضاً في القانون المدني القديم ، ولم يستحدث القانون الجديد شيئاً في هذا الصدد . ونعرض الآن لتحديد ما هو المقصود بالتركة المستقبلة ، ومن يكون طرفاً في التعامل فيها ، وضروب التعامل التي ترد عليها .


فالتركة هي مجموع ما للانسان من حقوق وما عليه من ديون وقت موته . فإذا كان الإنسان على قيد الحياة فهذا المجموع من الحقوق والديون منظوراً إليه وقت الموت هو تركته المستقبلة . والتعامل المحرم هو الذي يقع على تركة مستقبلة في مجموعها أو في جزء من هذا المجموع أو في مال معين ينظر فيه إلى أنه يدخل ضمن أموال التركة ( [7] ) . ويستوي أن تأتي التركة من طريق الميراث أو من طريق الوصية ، فكما لا يجوز للوارث أن يتعامل في نصيبه في تركة مستقبلة كذلك لا يجوز للموصى له أن يتعامل فيما أوصى له به مستقبلاً .

أما الطرف الذي يقع منه التعامل في التركة المستقبلة فقد يكون هو الوارث يبيع لأجنبي نصيبه في التركة المستقبلة ( [8] ) . وقد يقع التعامل بين وارث ووارث آخر يتفقان على قسمة ما سيقع في نصيب كل منهما من الميراث ، أو أن يبيع أحدهما نصيبه من الآخر . وقد يكون التعامل بين المورث نفسه ووارث أو أجنبي ، كأن يتفق المورث مع الوارث على إعطائه نصيباً من التركة اكبر أو أقل من نصيبه القانونين ، أو يتفق مع أجنبي على إعطائه نصيباً من التركة يأخذه بعد موته ، إذ أن المورث لا يستطيع أن يفعل هذا أو ذاك إلا عن طريق الوصية وهي تختلف عن هذا الضرب من التعامل في إنها يجوز الرجوع فيها حتى موت الموصى وفي إنها لا تجوز إلا في حدود معينة . والحكمة في تحريم التعامل على الموارث نفسه ترجع إلى أن أحكام الميراث والوصية من النظام العام ، فإذا أبحنا للمورث التعامل في تركته المستقبلة استطاع أن يحيد عن هذه الأحكام ( [9] ) .

وكل ضرب من ضروب التعامل في التركة المستقبلة محرم كما قدمنا . فلا يجوز للوارث أن يبيع ميراثه المستقبل ، أو يهبه ، أو يقسمه ، أو يقايض به ، أو يقدمه نصيباً في شركة ، أو يصالح عليه ، أو ينزل عنه بإرادته المنفردة . بل هو لا يستطيع أن يؤجره ( [10] ) ، أو أن يجري عليه أي نوع من أنواع التعامل إلا ما أجازه القانون بنص صريح ، وذلك كالوصية ( م 915 جديد ) وقسمه المورث ( م 908 – 913 جديد ) .

2 - المحل ممكن
218 – الإمكان يقابل الوجود

رأينا في الالتزام الذي يكون محله نقل حق عيني أن الشيء الذي تعلق به هذا الحق يجب أن يكون موجوداً . أما الالتزام الذي يكون محله عملا أو امتناعاً عن عمل فيجب أن يكون المحل فيه ممكناً . والإمكان هنا يقابل الوجود هناك ، فإذا كان محل الالتزام مستحيلا ، فإن الالتزام لا يقوم ، ويكون العقد باطلا ، لأنه لا التزام بمستحيل .

( a l'impossible nul n'est tenu ) .

وقد نصت المادة 132 من القانون المدني الجديد على ذلك إذ تقول : " إذا كان محل الالتزام مستحيلا في ذاته كان العقد باطلا ( [11] ) " .
219 – الاستحالة المطلقة والاستحالة النسبية : والمقصود بالاستحالة هنا الاستحالة المطلقة ، وهي أن يكون الالتزام مستحيلا في ذاته كما تنص المادة 132 ، لا أن يكون مستحيلا بالنسبة إلى الملتزم م فحسب ، فقد يلتزم شخص بعمل فني يكون مستحيلا عليه هو أو يلتزم بأمر يحتاج إلى مقدرة فوق طاقته ، ولكن هذا العمل لا يستحيل القيام به على رجل من أصحاب الفن أو ممن يطيقونه . ففي هذه الحالة يوجد الالتزام ويقوم على محل صحيح ، وإذا كان يستحيل على المدين القيام به فهذه الاستحالة النسبية لا تمنع من قيام الالتزام ، ويكون المدين مسئولا في هذه الحالة عن التعويض لعدم استطاعته القيام بالتزامه ولتسرعه في أن يأخذ على نفسه التزاماً لا يطيقه ، ويجوز فسخ العقد إذا كان ملزماً للجانبين . ولا فرق بين ما إذا كانت هذه الاستحالة النسبية قد سبقت وجود الالتزام أو كانت لاحقة له ، ففي كلتا الحالتين يوجد الالتزام ، ولكن المدين يبرأ من التنفيذ العيني ويكون مسئولا عن التعويض على النحو الذي قدمناه .

أما إذا كانت الاستحالة مطلقة ، وهي ما رجعت إلى الالتزام في ذاته كما رأينا ( [12] ) ، فإنها تمنع من وجود الالتزام إذا كانت سابقة على التعهد بهذا الالتزام ، ولا تمنع من وجوده إذا كانت لاحقة لأن الالتزام قد وجد قبل نشوء الاستحالة وإنما ينقضي بنشوئها بعد أن وجد . فتبرأ ذمة المدين ، ولكن يبقى مسئولا عن التعويض إذا كان هناك تقصير في جانبه ، ويجوز فسخ العقد إذا كان ملزماً للجانبين . ومثل الاستحالة المطلقة أن يتعهد شخص بأن يقوم بعمل يكون قد تم قبل التعهد كما إذا تعهد محام برفع استئناف عن قضية كان الاستئناف قد رفع فيها قبل ذلك ، أو أن يتعهد شخص بالامتناع عن عمل كان قد وقع قبل التعهد .

ويستخلص مما تقدم أن الاستحالة النسبية لا تجعل العقد باطلا سواء أكانت الاستحالة سابقة على وجود العقد أم لاحقة له ، وإنما تجعله في الحالتين قابلا للفسخ إذا كان ملزماً للجانبين لعدم إمكان قيام الملتزم بالتزامه . أما الاستحالة المطلقة فإن كانت سابقة على وجود التعهد فإنها تجعل العقد باطلا ، وإن كانت لاحقة جعلته قابلا للفسخ إذا كان ملزماً للجانبين ( [13] ) .
220 – الاستحالة الطبيعية والاستحالة القانونية

والاستحالة في الأمثلة التي قدمناها استحالة طبيعية – وقد تكون الاستحالة قانونية ، أي ترجع لا إلى طبيعة الالتزام بل إلى سبب في القانون ، كما إذا تعهد محام برفع استئناف عن حكم بعد انقضاء الميعاد القانوني أو نقض في قضية لا يجوز فيها النقض . ففي مثل هذه الفروض ترجع الاستحالة إلى حكم القانون لا إلى طبيعة الالتزام .


والاستحالة القانونية حكمها حكم الاستحالة الطبيعية المطلقة : تمنع وجود الالتزام إذا وجدت قبل التعهد به ، وتنهي الالتزام إذا وجدت بعد ذلك وينبني على ما تقدم أن تعهد المحامي برفع الاستئناف إذا صدر بعد انتهاء الميعاد الذي يقبل فيه الاستئناف لا يوجد التزماً في جانبه ، أما إذا صدر قبل الميعاد ولكن المحامي ترك الميعاد ينقضي دون أن يرفع الاستئناف وأصبح رفعه مستحيلا ، فإن الالتزام يوجد أولاً ، ثم يصبح تنفيذه العيني مستحيلا ، فيكون المحامي مسئولا عن التعويض .
السابق..



( [1] ) أنظر تاريخ النص فيما يلي ( فقرة 217 في الهامش ) وانظر المادة 26 من المشروع الفرنسي الإيطالي . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " يجب أن يكون محل الالتزام موجوداً وقت التعاقد . فإذا كان قد وجد ولكنه هلك من قبل ، فلا يقوم الالتزام لانعدام المحل . وينطبق نفي الحكم من باب أولى اذاكان المحل لم يوجد أصلاً ولا يمكن وجوده في المستقبل . ويستثنى من نطاق تطبيق هذا الحكمحالة العقود الاحتمالية . . . فإذا كان المحل غير موجود أصلاً وقت التعاقد ولكنه سيوجد فيما بعد فهذا هو الشيء المستقبل . وهو يصح أن يكون محلا للالتزام بشرط أن يكون معيناً أو على الأقل قابلا للتعيين . وليس ثمة محل للتفريق بين بيع الثمار المنعقدة وبيع الثمار قبل انعقادها على نحو ما فعل التقنين المختلط ( م 330 – 331 ) متأثراً في ذلك بأحكام الشريعة إسلامية " ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 2 ص 208 ) . 

( [2] ) نقول المعروف من أحكام الفقه الإسلامي لأن هناك من فقهاء المسلمين ، كأبن القيم ، من يقول بجواز التعامل في الشيء المستقبل إذا امتنع الغرر ، ومثل ذلك أن يبيع شخص محصول أرضه قل أن ينبت بسعر الوحدة لا بثمن مقدر جزافاً . 

( [3] ) ثم نصت المادة 331 من القانون المدني المختلط على ما يأتي : " ومع ذلك فبيع الأثمار المنعقدة وبيع الزرع النابت يشمل أيضاً الأثمار التي تنعقد والزرع الذي ينبت بعد العبي " . أنظر في القضاء المختلط نظرية العقد للمؤلف فقرة 457 . 

( [4] ) وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " وقد قصد فيما يتعلق بالشرط الأول ، وهو وجود المحل ، أن يزيل كل شك يكتنف حكم الأشياء المستقبلة ، فقرر صلاحيتها لأن تكون محلا للالتزام " ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 206 ) . 

( [5] ) وقد يكون البيع الواقع على التتام معاً احتمالياً ، فيصبح وجد النتاج أو لم يوجد ، ويراعى ذلك طبعاً في تقدير الثمر . 

( [6] ) تاريخ النص : ورد هذا النص ( بفقرتيه ) في المادة 182 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : " 1 - يجوز أن يكون محل الالتزام شيئاً مستقبلا . 2 – غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل ، إلا أن يكون برضاه وبورقة رسمية " . ونرى من ذلك أن المشروع التمهيدي يجيز التعامل في التركة المستقبلة برضاء المورث . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " والأصل حظر التعامل في تركة الإنسان ما بقى على قيد الحياة وفقاً للقواعد التقليدية التي جرى العمل لعيها من عهد الرومان . بيد أن المشروع قد استحدث في هذا الشأن أحكاماً هامة ، فأباح التصرف في التركة المستقبلة إذا ارتضى صاحبها ذلك . والحق أن علة تقرير البطلان ، وهي الخوف من مضاربة الوارث على حياة مورثة ، ينبغي استبعادها إذا كان المورث نفسه قد صح عنده من الأسباب المعقولة ما يقر من اجله التصرف . وبهذا ابيح للورثة أن يتفقوا على تنظيم شؤون التركة وأن يتصرفوا فيما يحتمل أن يؤول إليهم منها ما دام المورث قد اقرهم على ذلك " ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 205 في الهامش ) . وورد في موضع آخر من المذكرة الإيضاحية ما يأتي : " ورد على قاعدة جواز التعامل في الأشياء المستقبلة استثاء يتعلق بالتركات المستقبلة ، إذ حظر التعامل فيها بضروب التصرفات جميعاً ، كالبيع والمقايضة والشركة والصلح والتنازل وما إلى ذلك . ويراعى أن النص الذي تضمنه المشروع اعم من نص المادتين 263 / 332 من التقنين الحالي ، حيث يقتصر الحظر على البيع . بيد أن بين قواعد المشروع وبين قواعد التقنين الحالي خلافاً أهم مما تقدم يتصل بحكم التعامل في التركة المستقبلة إذا كان حاصلا برضاء صاحبها . فقد احتذى هذا التقنين مثال اغلب التقنينات الأجنبية ، وقضى ببطلان التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة ولو برضاه لعدم مشروعية المحل ، باعتبار أن المضاربة على الموت تتعارض مع الآداب . وقد بلغ من أمر هذا الاتجاه أن اعتبر التصرف باطلا ولو كان صادراً من صاحب التركة نفسه كما إذا باع شخص كل أمواله الحاضرة والمستقبلة . أما المشروع فقد اتبع في هذا الشأن مذهباً لا يزال نصيبه من الذيوع غير كبير ( أنظر مع ذلك المادة 636 من تقنين الالتزامات السويسري والمادة 312 من التقنين الالمانين وكذلك المادة 1271 من التقنين الأسباني والمادة 1370 من التقنين الهولندي والمادة 58 من التقنين البولوني ) ، فاستبعد فكرة المضاربة على حياة المورث إذا تدخل هذا في التصرف وارتضاه . وليس كيفي لاتمام التعاقد في هذه الصورة رضاء المتعاقدين ، بل لا بد أيضاً من رضاء المورث ، ويجب أن يكون رضاء الجميع ثابتاً في عقد رسمي . واذاكان التصرف لا ينعقد إلا باجتماع إرادات ثلاث ، فلهذه الحالة نظير في التقنين المصري الحالي ، فحوالة الحق لا تنعقد إلا إذا اقترن رضاء المحال عليه برضاء طرفي الحوالة . وعلى هذا النحو يكون التعامل في التركات المستقبلة قد وصل وفقاً لأحكام المشروع إلى مرحلة جديدة في تطوره . فقد كانت الفكرة في مبدأ الأمر حماية الوارث ، ولهذا شرع البطلان النسبي لمصلحته . ثم اعتبر البطلان بعد ذلك مطلقاً لمخالفة التصرف للآداب من حيث استنكار فكرة المضاربة على موت إنسان لا يزال على قيد الحياة . وانتهى الأمر بالمشروع ، والتقنينات التي اقتبس منها ، إلى وضع المسألة وضعاً جديداً . فكل تصرف يرد على تركة مستقبلة لا يقتصر على المتعاقدين وحدهم ، بل يتناول شخصاً ثالثاً ، يعتبر تدخله ضرورة لا معدى عنها ، إذ الأمر يتعلق بتركته . وإذا كان هذا التدخل إقرارا ضرورياً يصدر من صاحب المصلحة الأولى في التصرف ، فهو في الوقت ذاته كفيل باستبعاد فكرة المضاربة التي استند إليها لاعتبار التصرف مخالفاً للآداب . وغنى عن البيان أن لهذا الوضع الجديد مزايا لا يستهان بها . فهو يبيح اتفاقات لها ، بغير شك ، نفعها من الناحية العملية ، ولا يحول دون الإفادة منها إلا الحظر القائم . فللمورثة مثلا أثناء حياة مورثهم وبموافقته أن يتفقوا على قسمة التركة المستقبلة . ولا شك أن قسمة من هذا القبيل تكون أفضل وابقى من قسمة يجريها الأصول ويلتزم بها الورثة دون أن تكون وليدة إرادتهم . كذلك يجوز لكل وارث أن يتصرف فيما قد يؤول إليه من التركة مع مراعاة الأحكام المقررة بمقتضى قواعد الميراث " ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 208 – ص 209 ) . 
وبالرغم من الاعتبارات المتقدمة رأت لجنة المراجعة أن تعدل عن هذا التجديد وأن تعود إلى الحكم القديم في تحريم التعامل في التركة المستقبلة ولو برضاء المورث ، فعدلت نص المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : " 1 – يجوز أن يكون محل الالتزام شيئا مستقبلا . 2 – غير أن التعامل في تركة إنسان على قيد الحياة باطل إلا في الأحوال التي نص عليها في القانون " . وقد لوحظ في الرجوع إلى الحكم القديم أن أهم أمر كان يراد تحقيقه من وراء إباحة التعامل في التركة المستقبلة برضاء المورث هو إجازة قسمة المورث ، وقد أجازها القانون الجديد بنصوص صريحة ، فتحقق بذلك ما كان مقصودا ًن ولا ضير بعد هذا من المحافظة على تقاليد القانون القديم فيما يجاوز هذا المقصد . وقد أصبح رقم المادة 135 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني بمجلس الشيوخ أضيفت إلى الفقرة الثانية عبارة " ولو كان برضاه " زيادة في الإيضاح ونسجاً على منوال التقنين القديم . وأصبح رقم المادة 131 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 206 – ص 211 ) . وانظر المادة 26 من المشروع الفرنسي الإيطالي – وقارن المادة 312 من التقنين الألماني والمادة 636 من تقنين الالتزامات السويسري . 
هذا وقد كان القانون المدني القديم يتضمن نصاً مماثلا لنص القانون الجديد ، إلا أنه كان مقصوراً على البيع دون غيره من أنواع التعامل ، . فكانت المادتان 263 / 332 تقضيان بان " بيع الحقوق في تركة إنسان على قيد الحياة باطل ولو برضاه " . ولكن الفقه والقضاء في مصر كانا يعتبران هذا النص تطبيقا لقاعدة عامة هي تحريم كل ضروب التعامل من بيع وغير بيع ( نظرية العقد للمؤلف فقرة 456 ) . 
( [7] ) أما إذا وقع التعامل على مال لم ينظر فيه إلى أنه يدخل ضمن أموال التركة ، فإنه يصح ، وعلى ذلك لا يعتبر باطلا أن يبيع شخص كل ماله الحاضر ، ولكن إذا تصرف في كل ماله الحاضر والمستقبل إلى وقت موته عد هذا تعاملا في تركة مستقبلة . ولا يعد تعاملا في تركة مستقبلة أن يؤجل المدين وفاء الدين إلى وقت موت مورثه ولو كان الباعث له على ذلك أمله في سداد الدين من التركة التي سيرثها ، ولا تأجيل المدين وفاء الدين إلى يوم موته هو ، فليس في هذا تعامل في مال يدخل ضمن تركة مستقبلة ، بل هو تحديد لأجل دين لا علاقة له بالتركة . ولا يكون التعاقد باطلا حتى لو كان الباعث عليه توقع موت شخص معين ، كما إذا كان الدائن لمستحق في وقف قد حصل على أن يكون المستحق التالي في الوقف كفيلا لمدينه توقعاً لموت هذا المدين ، لأن التعامل هنا لم يقع على مال في تركة مستقبلة . كذلك لا يعتبر باطلا تعهد أخ لأخته بان يدفع لها مبلغاً معيناً على إلا تطالب بشيء من ميراث والدتها إذا تبين أن الأم وهبت ابنها جميع أملاكها واشترطت عليه أن يكتب لأخته سنداً بهذا المبلغ ، إذ يعتبر تصرف الأم هبة مال حاضر لا يدخل في تركة مستقبلة وقد اقترنت الهبة بشرط لصالح الأخت ( محكمة الإسكندرية الكلية الوطنية في 18 يونية سنة 1939 المحاماة 10 ص 99 ) . 
ولكن يعد تعاملا في تركة مستقبلة أن يتفق الورثة قبل موت مورثهم على عدم الطعن في أية وصية تصدر من المورث لاحدهم أو لأجنبي ، أو اتفاقهم على اعتبار أية وصية تصدر من المورث لأي منهم باطلة . كذلك يعد تعاملا في تركة مستقبلة تصرف لا يحدد فيه الوارث تركة بذاتها بل يبيع حقوقه في أية تركة تؤول إليه ، والزام المورث أحد الورثة دون غيره بتسديد دين من ديون التركة ، وقصر المورث على أحد الورثة دون الآخرين منفعة تعود عليه من عقد . 
( [8] ) وهناك فرق بين أن يبيع الوارث مالا معيناً على أنه سيؤول إليه في تركة مورثه – وهذا بيع باطل لأنه تعامل في تركة مستقبلة – وبين أن يبيع هذا المال المعين على أنه ملكه في الحال – وهذا بيع ملك الغير وهو قابل للإبطال . فإذا باع شخص عقاراً مملوكا لمورثه واشترط أن البيع لا ينفذ إلا بعد موت المورث ، فهم من ذلك أن البائع يتصرف في حق من حقوقه المحتملة في تركة مستقبلة ، وكان البيع باطلا ( محكمة مصر الكلية الوطنية في 30 أكتوبر سنة 1918 المجموعة الرسمية 21 رقم 44 ) . 
( [9] ) وقد قضت محكمة النقض بأن كون الإنسان وارثا أو غير وارث ، وكونه يستقل بالإرث أو يشركه فيه غيره ، إلى غير ذلك من أحكام الإرث وتعيين الورثة وانتقال الحقوق في التركات بطريق التوريث لمن لهم الحق فيها شرعا ، كل هذا مما يتعلق بالنظام العام . والتحيل على مخالفة هذه الأحكام باطل بطلانا مطلقا لا تحلقه الإجازة ، ويحكم القاضي به من تلقاء نفسه في أية حالة كانت عليها الدعوى . وتحريم التعامل في التركات المستقبلة يأتي نتيجة لهذا الأصل ، فلا يجوز قبل وفاة أي إنسان الاتفاق على شيء يمس بحق الإرث عنه ، سواء من جهة إيجاد ورثة غير من لهم الميراث شرعاً أو من جهة الزيادة أو النقص في حصصهم الشرعية أو من جهة التصرف في حق الإرث قبل انفتاحه لصاحبه واستحقاقه إياه ، بل جميع هذه الاتفاقات وما شابهها مخالف للنظام العام ، فإذا حررت زوجة لزوجها عقد بيع بجميع أملاكها على أن يتملكها إذا ماتت قبله ، وحرر هذا الزوج لزوجته مثل هذا العقد لتتملك هي ماله في حالة وفاته قبلها ، فإن التكييف الصحيح الواضح لتصرفهما هذا أنه تبادل منفعة معلق على الخطر والغرر ، وانه اتفاق مقصود به حرمان ورثة كل منهما من حقوقه الشرعية في الميراث ، فهو اتفاق باطل . أما التبرع المحض الذي هو قوام الوصية وعمادها فلا وجود له فيه ، ويشبه هذا التصرف أن يكون من قبيل ولاء الموالاة ولكن في غير موطنه المشروع هو فيه مادام لكل من المتعاقدين ورثة آخرون ، بل هو من قبيل الرقبى المحرمة شرعا ( نقض مدني في 14 يونية 1934 مجموعة عمر 1 رقم 199 ص 449 ) . 
ولكن لا يوجد ما يمنع المورث ، أن يبيع لوارثه في الحال مالا مملوكا له ، أو يهبه إياه ، فليس هذا تعاملا في تركة مستقبلة ، بل هو تصرف في مال حاضر . وقد قضت محكمة النقض بأن قوانين الإرث لا تطبق إلا على ما يخلفه المورث من الأموال بعد موته ، وأن تقيد التصرفات لا يكون إلا ابتداء من مرض المورث . وأما قبل ذلك فالمالك الكامل الأهلية حر التصرف في ملكه ، ولو أدى تصرفه هذا إلى حرمان ورثته أو تعديل انصبتهم ، ولو كان التصرف صادراً لأحد الورثة ، وهذا بطبيعة الحال ما لم يكن التصرف مشوباً بعيب . وأن هذا حق لا غبار عليه ، ولا يناقض ما قررته محكمة النقض في حكمها الصادر في 14 يونية سنة 1934 ( وهو الحكم السابق الإشارة إليه ) ( نقض مدني في 4 يونية سنة 1936 مجموعة عمر 1 رقم 372 ص 1138 ) . 
هذا والتعليل الذي ذكرناها في تحريم التعامل في التركة المستقبلة على المورث نفسه هو التعليل الذي قالت به محكمة النقض كما رأينا . وهو تعليل غير مقنع ، إذ يكفي لتجنب ما سيق من اعتراض يرجع إلى التحليل على مخالفة أحكام الميراث إلا يحرم من هذا التعامل إلا ما كان فيه مخالفة لهذه الأحكام ، ويبقى صحيحاً تعامل المورث في تركته إذا لم يخرج على أحكام الإرث والوصية . وقد سبقت الإشارة إلى أن المشروع التمهيدي تضمن حكما في هذا المعنى حذف في المشروع النهائي . 
( [10] ) فإذا تعهد شخص بإيجار عين ستؤول إليه في تركه كان عقده باطلا ( محكمة النقض الفرنسية في دوائرها المجتمعة في 2 يوليه سنة 1903 داللوز 1903 – 1 – 553 ) . 
( [11] ) تاريخ النص : ورد هذا النص في المادة 183 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : " 1 – إذا كان محل الالتزام الذي نشأ عن العقد أمراً مستحيلا استحالة مطلقة ، كان العقد باطلا . 2 – أما إذا كان الأمر مستحيلا على المدين دون غيره ، صح العقد وألزم المدين بالتعويض لعدم وفائه بتعهده " . وقد جاء في المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في هذا الصدد ما يأتي : " إذا كانت الاستحالة مطلقة ، فالمحل غير موجود في الواقع . ولا يكون الالتزام نصيب من الوجود إلا إذا طرأت الاستحالة بعد قيام العقد ، فيكون للمتعاقد في هذه الحالة أن يرفع دعوى الفسخ لا دعوى البطلان . أما إذا كانت الاستحالة نسبية ، أي قاصرة على الملتزم وحده ، فالعقد صحيح ويلزم المتعاقد بتنفيذه . على أن التنفيذ إذا استحال على المدين ، كان للدائن أن يقوم به على نفقة هذا المدين طبقاً للقواعد العامة ، وله أيضاً أن يطالب بالتعويض إلا إذا اختار فسخ العقد مع المطالبة بتعويض إضافي ، إن كان ثمة محل لذلك . وقد اقتصر المشروع فيما يتعلق باستحالة المحل على ذلك القاعدة العامة ولم ير داعياً لتفصيلها بالاستكثار من التطبيقات الجزئية . فبعض هذه التطبيقات قد ورد في مواضع أخرى من المشروع ، وبعضها من اليسير أن يستنبط من المبادئ العامة ( أنظر المادة 307 من التقنين الألماني والمادة 20 من تقنين الالتزامات السويسري والمادتين 56 و 57 من التقنين البولوني ألخ . . . على الأخص فيما يتعلق بالاستحالة الجزئية ورجوع من يجهلها من المتعاقدين بالتعويض ) " . وفي لجنة المراجعة حذفت الفقرة الثانية من النص لصعوبة تحديد معيار الاستحالة النسبية واكتفى بالفقرة الأولى بعد تحديد الاستحالة فيها بان الأمر يكون مستحيلا في ذاته ، وأصبح النص كما يأتي : " إذا كان محل الالتزام مستحيلا في ذاته كان العقد باطلا " . وأصبح رقم المادة 136 في المشروع النهائي . ووافق مجلس النواب على المادة دون تعديل . وفي لجنة القانون المدني لمجلس الشيوخ قيل أن المراد من أن الأمر يكون " مستحيلا في ذاته " هو أن يكون مستحيلا استحالة مطلقة ، وقد وافقت اللجنة على المادة دون تعديل وأصبح رقمها 132 . ووافق مجلس الشيوخ على المادة كما أقرتها لجنته ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 2 ص 211 – ص 214 ) . 
( [12] ) لا تكون الاستحالة مطلقة إلا إذا رجعت إلى الالتزام في ذاته ، فيكون الالتزام مستحيلا بالنسبة إلى موضوعه ، لا بالنسبة إلى شخص معين سواء كان هذا الشخص هو الملتزم أو كان شخصاً غيره . فيجب إذن أن تكون الاستحالة استحالة موضوعية ( impossibilite objective ) بالنسبة إلى جميع الناس ، لا استحالة شخصية ( impossibilite subjective ) بالنسبة إلى بعض دون بعض .
ومن ثم فبيع ملك الغير تعتبر الاستحالة فيه استحالة نسبية . وإذا كان الالتزام بنقل الملكية في هذا البيع مستحيلا على البائع ، فليس هو بالأمر المستحيل في ذاته ، ويستطيع المالك الحقيقي ، بل يستطيع نفس البائع إذا أصبح مالكا ، أن يقوم بتنفيذ هذا الالتزام ، ولولا ورود نص يجعل بيع ملك الغير قابلا للإبطال ( م 466 من القانون المدني الجديد ) ، لكان هذا البيع صحيحا قابلا للفسخ . 
( [13] ) وقد تكون الاستحالة المطلقة اللاحقة لوجود العقد قوة قاهرة ، إذا هي لم ترجع إلى تقصير الملتزم ، فينقضي الالتزام بها ، وينفسخ العقد إذا كان ملزماً للجانبين .

مقالات ذات صلة

المحل موجود أوممكن -شروط محل الالتزام
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح