بحث في موسوعة القانون المشارك

الثلاثاء، 10 يناير 2017

تحديد معنى السبب في النظرية التقليدية

أ -تحديد معنى السبب في النظرية التقليدية
263 السبب الإنشائي والسبب الدافع والسبب القصدي:
 تميز النظرية التقليدية بين السبب الإنشائي ( cause efficiente ) والسبب الدافع ( cause impulsive ) والسبب القصدي ( cause finale ) ( [1] ) .
فالسبب الإنشائي هو مصدر الالتزام . وقد عرفنا أن مصادر الالتزام هي العقد والعمل غير المشروع والإثراء بلا سبب والقانون . والسبب بهذا المعنى لا يعنينا هنا ، ويجب أن نستبعده .
والسبب الدافع هو الباعث الذي دفع الملتزم إلى أن يرتب في ذمته الالتزام . فمن يشتري منزلا قد يكون الدافع له على الشراء والالتزام بدفع الثمن هو أن يستغل المنزل ، أو أن يخصصه لسكناه ، أو أن يجعل منه محلا لعمله ، أو أن يديره للعهارة ، أو أن يجعل منه نادياً للمقامرة ، الخ . ونرى من ذلك أن الباعث يجمع الخصائص الثلاث الآتية :
( 1 ) هو شيء خارجي عن العقد ( extrinsèque ) ، فلا يذكر في الاتفاق ضرورة ، ولا يستخلص حتما من الالتزام . ( 2 ) هو شيء ذاتي للملتزم ( subjectif ) ، إذ يرجع إلى نواياه وما يتأثر به من دوافع . ( 3 ) هو شيء متغير ( variable ) ، لا في كل نوع من العقود فحسب ، بل في كل عقد على حدة ، فالباعث للمشتري في عقد غير الباعث للمشتري في عقد آخر . ولما كان الباعث لا يمكن ضبطه على وجه التحديد ، فإن النظرية التقليدية تذهب إلى أنه لا تأثير له في وجود العقد ولا في قيام الالتزام . فمهما كان هذا الباعث شريفاً أو غير شريف ، متفقاً مع النظام العام أو مخالفاً له ، فإن العقد صحيح والالتزام قائم .
والسبب القصدي – وهو السبب الذي تقف عنده النظرية التقليدية واذ اطلقت كلمة السبب عنته بهذه الكلمة – يعرف عادة بأنه هو الغاية المباشرة ( fin directe ) أو الغرض المباشر ( but immédiate ) الذي يقصد الملتزم الوصول إليه من وراء التزامه . فيختلف السبب عن الباعث في أن السبب هو أول نتيجة يصل إليها الملتزم ( causa proxima ) ، أما الباعث فغاية غير مباشرة ( causa remota ) تتحقق بعد أن يتحقق السبب ، و لا يصل إليها الملتزم مباشرة من وراء الالتزام .
264 السبب في الطوائف المختلفة للعقود:
وتستعرض النظرية التقليدية الطوائف المختلفة للعقود لتحدد السبب – ويفهم دائماً بمعنى السبب القصدي – في كل طائفة منها ، على النحو الذي جرى عليه دوما وبوتييه .
ففي العقود الملزمة للجانبين سبب التزام كل من المتعاقدين هو التزام الآخر . مثل ذلك عقد البيع ، يلتزم البائع فيه بنقل ملكية المبيع ، وسبب هذا الالتزام – أي الغرض المباشر الذي قصد البائع أن يحققه من وراء التزامه بنقل ملكية المبيع – هو التزام المشتري بدفع الثمن . ويلتزم المشتري بدفع الثمن ، وسبب هذا الالتزام – أي الغرض المباشر الذي قصد المشتري أن يحققه من وراء التزامه بدفع الثمن – هو التزام البائع بنقل ملكية المبيع . وقل مثل ذلك في العقود الأخرى الملزمة للجانبين ، كالمقايضة والإيجار وعقد المقاولة وعقد العمل .
وفي العقود الملزمة لجانب واحد ، إذا كان العقد عينياً ، قرضاً كان أو عارية أو وديعة أو رهن حيازة ( [2] ) ، يكون سبب الالتزام المتعاقد الملتزم هو تسلمه الشيء محل التعاقد . فالمقترض يلتزم برد القرض لأنه تسلمه ، وهذا هو الغرض المباشر الذي قصد إلى تحقيقه من وراء التزامه .
وإذا كان العقد الملزم لجانب واحد عقداً رضائياً ، كالوعد بالبيع ، فالظاهر أن سبب الالتزام هو إتمام العقد النهائي ، وهو الغرض المباشر الذي قصد إلى تحقيقه ، وهو بعد سبب محتمل قد يتحقق وقد لا يتحقق ( [3] ) .
وفي عقود التبرع السبب في التزام المتبرع هو نية التبرع ذاتها . فالمتبرع يقصد من وراء التزامه غرضاً مباشراً هو إسداء يمد للموهوب له ، وهذا هو السبب في تبرعه .
265 خصائص السبب:
ويتبين مما تقدم أن خصائص السبب في النظرية التقليدية هي عكس خصائص الباعث . فالسبب شيء داخلي في العقد ( intrinsèque ) يستخلص حتما من نوع العقد ومن طبيعة الالتزام ذاته . وهو شيء موضوعي ( objectif ) لا تؤثر فيه نوايا الملتزم . وهو غير متغير ( invariable ) ، فيبقى واحداً في نوع واحد من العقود ، ولا يتغير بتغير البواعث والدوافع .
وهذه الخصائص الثلاث هي عين الخصائص التي رأيناها لصيقة بالسبب في الفكرة الرومانية القديمة .
266 – قيام السبب من وقت تكوين العقد إلى حين تنفيذه : وتحرص النظرية التقليدية على أن تقرر أن قيام السبب واجب من وقت تكوين العقد إلى حين تنفيذه . فإذا قام السبب عند تكوين العقد ، ثم انقطع قبل التنفيذ ، سقط الالتزام . وتظهر أهمية هذا الحكم في العقود الملزمة للجانبين . فإن هذه العقود تتميز بأمور ثلاثة : ( 1 ) إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقد الآخر أن يمتنع عن تنفيذ ما ترتب في ذمته من التزام ، وهذا هو الدفع بعدم التنفيذ . ( 2 ) إذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه جاز للمتعاقدين الآخر أن يطلب فسخ العقد ، وهذه هي نظرية الفسخ . ( 3 ) إذا استحال على أحد المتعاقدين تنفيذ التزامه لقوة قاهرة تحمل هو تبعة هذه الاستحالة وسقط التزام المتعاقد الآخر ، وهذه هي نظرية تحمل التبعة . وسنعرض لهذه النظريات بالتفصيل في مواضعها . ويكفي أن نشير هنا إلى أن أصحاب النظرية التقليدية يبنون هذه النظريات الثلاث على فكرة السبب ووجوب بقائه قائماً إلى أن يتم تنفيذ العقد . فإذا لم يقم أحد المتعاقدين بتنفيذ التزامه ، أو استحال عليه هذا التنفيذ لقوة قاهرة ، فإن التزام المتعاقد الآخر ينقطع سببه ، ومن ثم يستطيع هذا المتعاقد أن يمتنع عن تنفيذ التزامه ، أو أن يطلب فسخ العقد ، أو أن يجعل المتعاقد الذي استحال تنفيذ التزامه يحمل تبعة هذه الاستحالة بعد سقوط الالتزام الذي انقطع سببه ( [4] ) .





 ( [1] ) وقد رأينا أصل هذا التمييز فيما نقله المحشون والبارتوليون عن الفلسفة اليونانية من التمييز بين السبب ( causa proxima , finalis ) والباعث ( causa remote, impulsive ) ( أنظر آنفاً فقرة 256 ) ، وفي التمييز الذي قال به بوتييه بين السبب بمعنى مصدر الالتزام والسبب بمعنى الغرض الذي يقصد إليه الملتزم ( أنظر آنفاً فقرة 260 في الهامش ) .
 ( [2] ) وهذا في غير القانون المصري الجديد الذي ألغى العقود العينية كما رأينا ، ولم يبق منها إلا هبة المنقول . ثم هذا بفرض أن العقود العينية ملزمة لجانب واحد كما يذهب إلى ذلك جمهور الفقهاء .
 ( [3] ) كابيتان في السبب فقرة 28 .
 ( [4] ) ويلاحظ أن القانون الروماني كان يأبى أن يدفع فكرة السبب في عقد البيع إلى حد أن يتطلب بقاء السبب بعد تكوين العقد ، بل كان يقف بفكرة السبب عند تكوين العقد ، دون أن يجاوز مرحلة التكوين إلى مرحلة التنفيذ . فلم يكن يسلم بأية نظرية من هذه النظريات الثلاث : الدفع بعدم التنفيذ والفسخ وتحمل المدين تبعة استحالة التزامه ( أنظر آنفاً فقرة 352 ) . فالنظرية التقليدية في السبب متقدمة في هذه الناحية على القانون الروماني . 

مقالات ذات صلة

تحديد معنى السبب في النظرية التقليدية
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح