بحث في موسوعة القانون المشارك

الثلاثاء، 10 يناير 2017

النظرية الحديثة في السبب

 النظرية الحديثة في السبب
276 وجوب التوسع في تحديد السبب:

 لم يرض القضاء ، وهو الذي يواجه الحياة العملية ، عن النظرية التقليدية في السبب .


فهي نظرية ضيقة عقيمة لا غناء فيها . وسار في طريق غير طريق الفقه التقليدي ، وتوسع في تحديد السبب ، فجعله هو الباعث الدافع إلى التعاقد . وقد عاد القضاء بذلك عن غير قصد إلى نظرية السبب عند الكنسيين ، لأنها هي النظرية التي تنتج في العمل . وما لبث الفقه الحديث أن انضم إلى القضاء في نظريته الجديدة ، إذ أدرك مدى ما فيها من خصوبة ومرونة . ولم يكن بد من أن تقترن الإرادة بالباعث الذي يحركها – وهذا هو التصرف المسبب وهو الأصل والقاعدة – أو أن تتجرد عن هذا الباعث . وهذا هو التصرف المجرد ولا يرد إلا على سبيل الاستثناء .

فنحن نتكلم إذن في مسائل ثلاث : ( 1 ) استبعاد النظرية التقليدية . ( 2 ) الأخذ بالنظرية الحديثة وهي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد . ( 3 ) التصرف المجرد ( acte abstrait ) .

1 – استبعاد النظرية التقليدية

277 العيب الجوهري في النظرية التقليدية:

 رأينا أن الصياغة الرومانية الشكلية هي التي ساهمت كثيراً في تكييف نظرية السبب التي نقلها دوما عن الفقهاء المدنيين فأصبحت هي النظرية التقليدية . والعيب الجوهري في هذه النظرية ليس في إنها غير صحيحة . فهي ، حتى لو كانت صحيحة ، عقيمة على كل حال . وهي لا تضيف شيئاً إلى الثروة القانونية ، إذ هي تحدد السبب في أنواع العقود المختلفة تحديداً آلياً . وتتطلب فيه شروطاً ثلاثة . ونستعرض هذه الشروط مطبقة على السبب في صوره المختلفة ، لنثبت أن السبب بهذا المعنى التقليدي الضيق يمكن الاستغناء عنه دون عناء .

278 -كيف نستغني عن السبب الموجود:

 تحرص النظرية التقليدية على أن تشترط وجود السبب ، وتستخلص من ذلك أن السبب إذا لم يكن موجوداً فإن الالتزام لا يقوم . وتأتي لذلك بمثلين : مثل من أكره على إمضاء التزام ليس له سبب ، ومثل من امضى سند مجاملة عن بينة واختيار .
فإذا اكره شخص على إمضاء سند لسبب لا وجود له ، كقرض لم يتم ، فإن العقد يكون باطلا . ولا يكفي هنا استظهار الإكراه ، فإنه يقتصر على جعل العقد قابلا للإبطال بينما العقد باطل كما قدمنا . ولكن على أي أساس يقوم بطلان العقد ؟ تقول النظرية التقليدية إن الأساس هو انعدام السبب ، إذ الالتزام بالمديونية سببه القرض والقرض لم يتم . على أنه من اليسير أن نصل إلى النتيجة ذاتها عن طريق غير طريق السبب . ذلك إننا إذا اعتبرنا السند تصرفاً صادراً عن إرادة منفردة ، فهو التزام بدفع مبلغ واجب بعقد القرض ، ولما كان هذا المبلغ لا وجود له لأن القرض لم يتم ، فمحل الالتزام معدوم ، ويسقط الالتزام لا لانعدام السبب بل لانعدام المحل . وإذا اعتبرنا السند هو عقد القرض ذاته ، فالتزام المقترض لا يقوم هنا أيضاً لأنه لم يتسلم مبلغ القرض ، ولا بد من أن يتسلم المقترض مبلغ القرض حتى يلتزم برده ، إما لأن القرض عقد عيني لم يتم بالتسليم ، وإما لأن القرض عقد رضائي ( وفقاً للقانون الجديد ) لم يقم فيه المقرض بتنفيذ التزامه ( [1] ) . وفي الحالين يسقط التزام من أمضى السند ، لا لانعدام السبب ، بل لعدم انعقاد القرض أو لعدم تنفيذ الالتزام المقابل .
أما إذا أمضى شخص سند مجاملة لدائن صوري ، فإن قواعد الصورية هنا تكفي وتغنينا عن نظرية السبب . فالسند الصوري . والدين لا وجود له فيما بين الطرفين . أما بالنسبة إلى الغير ( حامل السند ) فيؤخذ بالعقد الظاهر .
على إننا إذا تركنا هذه الأمثلة التفصيلية جانباً ، واستعرضنا طوائف العقود المختلفة ، زدنا يقيناً أن السبب بالمعنى التقليدي يسهل الاستغناء عنه .
فالالتزام في العقد الملزم للجانبين سببه ، كما تقوم النظرية التقليدية ، الالتزام المقابل . ولكن ما أيسر علينا أن نستبدل بفكرة السبب هذه فكرة الارتباط التي قال بها بلانيول . بل لعل فكرة الارتباط من الناحية الفنية أدق من فكرة السبب . ذلك أن انعدام السبب جزاؤه البطلان كما هو معروف ، فإذا انعدام السبب عند تكوين العقد أو بعد تكوينه كان من الواجب أن يكون الجزاء واحداً في الحالتين . ولكننا نرى أن العقد يبطل في الحالة الأولى ويفسخ في الحالة الثانية ، وفي هذا التفريق عيب فني واضح . أما فكرة الارتباط فأكثر مرونة من فكرة السبب . وهي تسمح بان نقول بالبطلان إذا انعدم أحد الالتزامين المتقابلين عند تكوين العقد ، إذ منطق الارتباط يقضي بأن العقد لا يوجد . وتسمح فكرة الارتباط في الوقت ذاته أن نقول إن نقول إن العقد ينقضي بعد وجوده – أن يفسخ – إذا انقطع أحد الالتزامين المتقابلين بعد أن واجد .
أما في العقود العينية وفي التبرعات فالنظرية التقليدية أقل تماسكاً . إذ تقول هذه النظرية إن العقد العيني سببه التسليم ، فإذا لم يتم التسليم لم يقم الالتزام لانعدام سببه . ومن السهل هنا أن يقال إن الالتزام لا يقوم ، لا لانعدام السبب ، بل لعدم انعقاد العقد العيني . وتقول النظرية التقليدية إن السبب في التبرعات هو نية التبرع ، فإذا لم تكن هذه النية موجودة لم يقم التزام المتبرع لانعدام السبب . ولكن متى ثبت أن المتبرع قد رضى أن يتبرع ، فرضاؤه يتضمن حتمانية التبرع . فإذا تبين أن هذه النية منعدمة ، فذلك لا يكون إلا لأن الرضاء بالتبرع منعدم ، وتكون الهبة باطلة في هذه الحالة لانعدام الرضاء لا لانعدام السبب .

279 كيف تستغنى عن السبب الصحيح:

ومن السهل أيضاً أن تستغني عن السبب الصحيح كما استغنينا عن السبب الموجود . فالسبب غير الصحيح ، كما رأينا ، إما سبب موهوم أو سبب صوري .
وإذا استعرضنا أمثلة السبب الموهوم ، وجدنا أنه يمكن الاستغناء فيها جميعاً عن نظرية السبب بنظرية المحل . فالشخص غير الوارث الذي يتخارج مع وارث يتعامل في حق معدوم . وهذا هو حال دائن التركة الذي يحصل على إقرار بالدين بعد أن استوفاه ، وحال الموصي له الذي يتعامل في الموصى به إذا كانت الوصية باطلة أو كان الموصى قد عدل عنها ، وحال الدائن الذي يجدد ديناً قديماً بعد أن يستوفيه .
أما السبب الصوري فقد رأينا أنه لا يبطل العقد إلا إذا كان يخفي سبباً موهوماً أو سبباً غير مشروع . وقد فرغنا من السبب الموهوم ، فننتقل الآن إلى السبب غير المشروع .

280 كيف تستغني عن نظرية السبب المشروع:

 ومن السهل أن نستغنى عن السبب المشروع في العقود الملزمة للجانبين بفكرة الارتباط التي قدمناها . فمن يتعهد بارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لعدم مشروعية المحل ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع . ومن يتعهد بعدم ارتكاب جريمة في مقابل مبلغ من النقود لا يقوم التزامه لاستحالة المحل ، إذ هو لا يستطيع إنشاء التزام قد وجد بحكم القانون قبل هذا الإنشاء ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام مستحيل . والتوسيط الذي يتعهد بالنجاح في العثور على زوج صالح في مقابل مبلغ من النقود قد تعهد بأمر غير مشروع لا يتفق مع الآداب ، وكذلك لا يقوم الالتزام المقابل لا لعدم مشروعية سببه بل لارتباطه بالتزام غير مشروع .
أما في العقود العينية والتبرعات ، فإن اشتراط مشروعية السبب غير مفهوم . فالسبب في العقود العينية هو التسليم ، ولا يتصور أن يكون التسليم غير مشروع إلا إذا وقع على محل غير مشروع ، وعند ذلك لا ينعقد العقد لعدم مشروعية المحل لا لعدم مشروعية السبب . والسبب في التبرعات هو نية التبرع ، وكيف يتصور أن يتكون نية التبرع في ذاتها غير مشروعة ! إن وجه الاستحالة في ذلك هو الذي يفسر أن بعض أنصار النظرية التقليدية ، ومنهم كابيتان ، يجنحون إلى اعتبار السبب في التبرعات هو الباعث الدافع إلى التبرع . بل إن القانون الروماني ذاته يعتد بالباعث في الوصايا وبعض الهبات كما أسلفنا .

281 وجوب استبعاد النظرية التقليدية في أية صورة من صورها:

 ويتبين مما قدمناه ، أن النظرية التقليدية في السبب نظرية عقيمة . وهي نظرية يمكن استبعادها دون أية خسارة تلحق القانون ، إذ يسهل تخريج جميع النتائج التي يراد أن تترتب عليها وذلك بالرجوع إلى أساس قانونين آخر لا علاقة له بالسبب .
ويستوى في ذلك أن تكون النظرية التقليدية كما هي على أصلها ، أو أن تكون محورة على النحو الذي يقول به كابيتان . وهناك من الفقهاء من يستبقى النظرية التقليدية ، ويقصرها على السبب في الالتزام ، ويضع إلى جانبها نظرية القضاء ، ويجعلها في العقد لا في الالتزام ، وبذلك تمكن المقابلة بين السبب في الالتزام والباعث في العقد ( [2] ) . فهذه صور ثلاث للنظريات التقليدية .
وفي أية صورة من هذه الصور الثلاث لا نرى للنظرية التقليدية نفعاً يخول لها حق البقاء ، إذ يمكن الاستغناء عنها كما رأينا أياً كان الثقوب الذي تلبسه . وما هي إلا اثر من آثار الصياغة الرومانية القديمة ، وقد زالت مقتضيات هذه الصياغة ، فوجب أن تزول معها . ووجب في الوقت الذي تنبذ فيه النظرية التقليدية ألا تنبذ فكرة السبب في ذاتها ، على أن تكون هي الفكرة الخصبة المنتجة التي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد ، وهي النظرية التي قال بها القضاء الفرنسي . وننتقل الآن إليها .


2 -الأخذ بالنظرية الحديثة آلتي تقوم على الباعث الدافع إلى التعاقد

282 السبب هو الباعث الدافع إلى التعاقد:

 لم تستطع النظرية التقليدية أن تواجه الحياة العملية ولم يستطع القضاء وهو الذي يعيش في غمار العمل أن ينتفع بها . لذلك لم يلبث القضاء الفرنسي أن خرج عليها خروجاً صريحاً ، فكسر الحواجز التي إقامتها هذه النظرية ما بين السبب والباعث ، وخلط بينهما خلطاً تاماً ، لا في التبرعات فحسب ، بل فيها وفي سائر العقود . وقد اكسب القضاء نظرية السبب بهذا المنهج مرونة لم تكن لها ، وأصبحت النظرية في يده منتجة نافعة لا غنى عنها ( [3] ) .
فالسبب في نظر القضاء هو الباعث الدافع الموجه ( mobile impulsive et déterminant ) للملتزم في أن يلتزم . وما دامت الإرادة قد أصبحت حرة طليقة في أن تنشيء ما تشاء من الالتزامات ، وما دامت الإرادة لا بد لها من باعث يدفعها ، فلا أقل من أن يشترط القانون أن يكون هذا الباعث مشروعاً ، وأن يكون الغرض الذي ترمي الإرادة إلى تحقيقه غرضاً لا يحرمه القانون ولا يتعارض مع النظام العام ولا يتنافى مع الآداب . وبواعث الإرادة كثيرة متنوعة ، منها الدافع وغير الدافع ، ومنها الرئيسي وغير الرئيسي ، فالباعث الدافع الرئيسي هو الذي يعتد به ، ومتى أمكن الكشف عنه وجب الوقوف عنده ، إذ يكون هو السبب . بهذا المنطق الصحيح شق القضاء طريقه إلى النظرية الحديثة ( [4] ) ، وساير الفقه الحديث القضاء في هذا الطريق ( [5] ) .
وها نحن رجعنا ، بفضل ما عند القضاء من إحساس عملي ، إلى نظرية الفقهاء الكنسيين في السبب . وهي النظرية الخصبة المنتجة التي انحرف عنها دوما إلى النظرية التقليدية ، فكان هذا الانحراف سبباً في كل ما أحاط نظرية السبب من اضطراب وما أصابها من عقم طوال القرون الماضية ( [6] ) .

283 مرونة الباعث وكيف ينضبط:

 والباعث بالتحديد الذي أسلفناه أكثر مرونة من السبب في النظرية التقليدية . ويكفي أن نعود إلى خصائص السبب ، نضعها إلى جانب خصائص الباعث ، لنرى النقيض إلى جانب النقيض . فقد قدمنا أن السبب معياره موضوعي وهو داخل في العقد لا يتغير في النوع الواحد من العقود ، أما الباعث فمعياره ذاتي وهو خارج عن العقد ويتغير من عقد إلى عقد بتغير المتعاقدين وما يدفعهم من البواعث . وما دام الباعث على هذا القدر من الذاتية والانفصال والتغير ، كان من الواجب أن ينظر كيف ينضبط ، حتى لا يكون مثاراً للتزعزع والقلقلة في التعامل .
ولا يجوز بداهة أن يعتد بالباعث الذي دفع أحد المتعاقدين إلى التعاقد إذا كان هذا الباعث مجهولا من المتعاقد الآخر ، وإلا استطاع أي متعاقد أن يتخلص من التزاماته بدعوى أن الباعث له على التعاقد – وهو أمر مستكن في خفايا الضمير – من شأنه أن يجعل العقد باطلا . فلا بد إذن من صلة وثيقة تربط كلا من المتعاقدين بالباعث ، ولا بد من ضابط يرجع إليه في ذلك . وقد رأينا مثل هذا في الغلط .
فما هو هذا الضابط ؟ أيكفي أن يكون الباعث معلوماً من الطرف الآخر ؟ أو يجب أن يكون متفقاً عليه بين المتعاقدين ؟ أو يصح التوسط بين هذين الحدين ، فيشترط أن يكون الطرف الآخر مساهما في الباعث الذي دفع الطرف الأول إلى التعاقد ، دون أن يصل إلى حد الاتفاق معه عليه ، ودون أن يقف عند حد مجرد العلم به ؟
ونأتي بمثل يوضح هذه المراتب المتدرجة . شخص يقترض نقوداً من آخر ليقامر بها . فالمقرض قد يجهل الغرض الذي أخذ المقترض النقود من اجله ، وفي هذه الحالة لا يعتد بالباعث الذي دفع المقترض إلى التعاقد ( [7] ) . وقد يكون المقرض صديقاً للمقترض ، عالماً بغرضه ، دون أن يقصد بالاقراض تمكين المقترض من الماقمرة ، وهذه هي مرتبة العلم . وقد يكون المقرض مرابياً يستثمر ماله في اقراض المقامرين ، فيكون قد قصد إلى تمكين المقترض من الماقمرة ، وهذه هي مرتبة المساهمة . وقد يكون المقرض هو الشخص الآخر الذي يقامر المقترض معه . فيتفقان على القرض للاستمرار في المقارمة ، وهذه هي مرتبة الاتفاق . فاية مرتبة من هذه المراتب الثلاث يتطلبها القانون حتى يعتد بالباعث ؟
رأينا كابيتان يقول بوجوب الوصول إلى مرتبة الاتفاق ، فلا يعتد بالباعث إلا إذا كان متفقاً عليه بين المتعاقدين ، والاتفاق وحده في نظر كابيتان هو الذي يدخل الباعث في دائرة التعاقد ( dans le champ contractual ) ( [8] ) . ولا شك في أن الفقيه الفرنسي الكبير قد اقترب بهذا القول من النظرية الحديثة في السبب ، ولكن دون أن يدخل في نطاقها ، فإن احداً من أنصار النظرية الحديثة لا يشترط وجوب الاتفاق على الباعث فيما بين المتعاقدين . وإنما هم منقسمون بين مرتبة العلم ومرتبة المساهمة .
أما القضاء الفرنسي فيكتفي بمرتبة العلم ، ويعتد بالباعث الذي دفع المتعاقد إلى التعاقد ، ما دام المتعاقد الآخر يعلم أو يستطيع أن يعلم بهذا الباعث ، كما هي الحال في الغلط . وسنرى بعد قليل تطبيقات مختلفة للقضاء الفرنسي تدور كلها في هذا النطاق .
والفقه يميز بين المعاوضات والتبرعات ، فيتطلب في الأولى مرتبة أعلى . ولكن الفقهاء يختلفون في تحديد هذه المرتبة .
فيذهب جويران إلى أنه يكفي أن يكون الباعث في المعاوضات معلوماً من المتعاقد الآخر ، حتى يكون في هذا وقاية للتعامل من أن يتزعزع . أما في التبرعات فإن الإرادة التي نقف عندها هي إرادة المتبرع وحده ، فهي الإرادة التي تسيطر على التصرف ، سواء في ذلك أن يتم التبرع بتقابل إرادتين كالهبة أو بإرادة واحدة كالوصية . وهو لذلك يعتد بالباعث الذي دفع المتبرع إلى تبرعه ، سواء كان معلوماً من الطرف الآخر أو كان مجهولا منه ( [9] ) .
ويذهب بواجيزان ( Bois - Juzan ) إلى وجوب الوصول إلى مرتبة المساهمة في المعاوضات والاكتفاء بمرتبة العلم في التبرعات . ذلك أن المعاوضات تختلف عن التبرعات في أن الأولى بذل فيها كل من المتعاوضين شيئاً من عنده ، فإرادة كل منهما تقوم بدور أساسي في تكوين العقد . ومن ثم وجب أن تساهم كل إرادة من هاتين الإرادتين في الباعث الذي دفع إلى التعاقد مساهمة ايجابية ، وأن تتعاون الارادتان معاً في تحقيق الغرض غير المشروع . أما في التبرعات فإرادة المتبرع وحدها هي الأساسية ، إذ المتبرع وحده هو الذي بذل . ومن ثم جاز الاقتصار على هذه المرتبة السلبية وهي مرتبة العلم ، فهي كافية لاستقرار التعامل ( [10] ) .
وإذا كان الذي يعنينا في انضباط معيار الباعث هو استقرار التعامل ، فالقضاء الفرنسي على حق فيما ذهب إليه من الاكتفاء بمرتبة العلم ، سواء كان التصرف تبرعاً أو معاوضة .

284 تطبيقات مقتبسة من القضاء الفرنسي:

نستعرض القضاء الفرنسي بعض تطبيقات للسبب مفهوماً بمعنى الباعث الذي دفع إلى التعاقد ، مرجئين القضاء المصري إلى حين الكلام في نظرية السبب في القانون المدني الجديد . ونتبع في هذا الاستعراض التقسيم الثلاثي المعروف للتصرفات إلى عقود ملزمة للجانبين وعقود عينية وتبرعات .
ففي العقود الملزمة للجانبين ، كثيراً ما يبطل القضاء في فرنسا عقوداً يكون الباعث إلى التعاقد فيها غير مشروع ، وإن كان السبب ، بالمعنى الذي تقول به النظرية التقليدية ، مشروعاً في هذه العقود . فالبيع أو الإيجار ، إذا وقع أي منهما على منزل يريد المشتري أو المستأجر إدارته للعهارة ، وكان البائع أو المؤجر عالماً بقصد المشتري أو المستأجر ، يكون باطلا طبقاً لأحكام القضاء الفرنسي . وقد أراد بعض الفقهاء التمييز بين فرضين : ( 19 منزل معد للعهارة يباع أو يؤجر بعد اعداده ، فيعتبر متجراً ( fonds de commerce ) لا مجرد مكان ، وفي هذه الحالة يكون البيع أو الإيجار باطلا لعدم مشروعية السبب وعدم مشروعية المحل معاً . ( 2 ) ومنزل يباع أو يؤجر قبل أن يعد للعهارة ، باعتبار أنه مكان لا متجر منه ولو كان قصد المشتري أو المستأجر أن يديره للعهارة ، وفي هذه الحالة لا يكون العقد باطلا طبقاً للنظرية التقليدية التي تميز بين السبب والباعث ( [11] ) . ولكن القضاء الفرنسي لمي أخذ بهذا التمييز ، فهو يبطل العقد في الفرضين ، جاعلا السبب هو الباعث ، جرياً على النظرية التي يأخذ بها ( [12] ) . ويفعل القضاء الفرنسي ذلك أيضاً في الإمكان الآتي تدار للمقامرة ، فبيع أو إيجار مبنى يراد به أن يكون مكاناً للمقامرة باطل ( [13] ) .
وفي العقود العينية ، يبطل القضاء الفرنسي قرضاً يكون قصد المقترض منه أن يتمكن من المقامرة ويكون المقرض عالماً بهذا القصد ، سواء كان مشتركا معه في المقامرة أو لم يكن ، وسواء كان يفيد من هذه المقامرة أو لم يكن يفيد ( [14] ) . ويبطل القرض أيضاً إذا كان الغرض منه أن يتمكن المقترض من الحصول على منزل يديره للعهارة ( [15] ) . أو أن يستبقى صلات غير شريفة تربطه بخليلة له ( [16] ) . وكالقرض رهن الحيازة ( [17] ) .
أما في التبرعات فقد كان القضاء الفرنسي اشد إمعاناً في جعل الباعث هو السبب . ولم يقف عند نية التبرع ، بل اعتد بالباعث على التبرع ، ونقب عن العوامل النفسية التي دفعت المتبرع إلى التجرد عن ماله دون مقابل ، أكان يريد الخير في ذاته ، أم يريد مصلحة خاصة مشروعة ، أم يرمى إلى غرض غير مشروع . فإذا تبين أن الباعث الذي دفع إلى التبرع غير شريف أو غير مشروع أبطل التبرع . والتطبيقات على هذا المبدأ كثيرة متنوعة نذكر أهمها : ( أولاً ) التبرع لولد غير شرعي : يقضي بالقانون المدني الفرنسي بان يكون نصيب الولد غير الشرعي في مال أبويه ، تبرعاً أو ميراثاً ، محصوراً في حدود ضيقة . فإذا زاد التبرع على الحد المفروض كان الإنقاص إلى هذا الحد واجباً .
أما إذا كانت البنوة غير الشرعية ليست ثابتة قانوناً ، فالتبرع جائز ولو زاد على الحد ، ما دام لم يثبت أن التبرع قد كان لولد غير شرعي . ولكن القضاء الفرنسي يبطل التبرع إذا ظهر أن الباعث للمتبرع على تبرعه هي علاقة بنوة غير شرعية ، فيجعل الباعث هو السبب ، ولا يكتفي بإنقاص التبرع إلى الحد الجائز ، بل يبطله جميعه ( [18] ) . ( ثانياً ) تبرع الخليل لخليلته : ويبطل القضاء الفرنسي تبرع الخليل لخليته إذا ثبت أن الباعث على هذا التبرع قد كان لإيجاد هذه العلاقة غير الشريفة أو لاستبقائها أو لإعادتها ( [19] ) . أما إذا كان الباعث على التبرع إنما هو تعويض الخليلة عما أصابها من الضرر بسبب هذه المعاشرة غير الشرعية بعد أن انقطعت ، فالباعث يكون مشروعاً والتبرع يكون صحيحاً ، بل هو في الواقع يعتبر وفاء الالتزام طبيعي ( [20] ) . وقد سبق بيان ذلك عند الكلام في محل الالتزام المخالف للآداب . ( ثالثاً ) تبرع الزوج لزوجته حتى يحملها على أن تنفصل عنه انفصالا ودياً : انفصال الزوجة عن زوجها ( séparation des corps ) في القانون الفرنسي لا يكون إلا بعد إتباع إجراءات خاصة ، نص عليها هذا القانون ، أو يكون بالطلاق . وفيما عدا هاتين الحالتين فالاتفاق ما بين الزوجين على أن ينفصل أحدهما عن الآخر ( séparation de fait ) دون إتباع الإجراءات المرسومة لذلك يكون غير مشروع . فإذا تبرع الزوج لزوجته حتى يحملها على الرضاء بهذا الانفصال الودي يكون سبب تبرعه ، أو الباعث عليه ، غير مشروع ، ويبطل التبرع ( [21] ) . ( رابعاً ) التبرع المقرون بشرط : إذا اقترن التبرع بشرط غير مشروع ، بطل الشرط ، وبقى التبرع ، وهذا ما تنص عليه المادة 900 من القانون المدني الفرنسي . إلا أن القضاء الفرنسي قد من هذا الحكم بفضل نظريته في السبب . فقد ميز في الشرط الذي يقترن به التبرع بين شرط دافع وشرط غير دافع ، فالثاني وحده هو الذي يطبق عليه نص المادة 900 ويبطل إذا كان غير مشروع مع بقاء التبرع قائماً . أما الشرط الدافع إلى التبرع ، أي الباعث على هذا التبرع ، فقد اعتبره القضاء سبباً لالتزام المتبرع ، ويترتب على ذلك أنه إذا كان غير مشروع ، فإن التبرع جميعه يكون باطلا ، ولا يقتصر الأمر على بطلان الشرط ( [22] ) .


3 التصرف المجرد ( L'acte abstrait )

285 التصرف المسبب والتصرف المجرد:

قدمنا أن السبب ركن من أركان الالتزام ، لا يقوم الالتزام إلا به ، على فرق ما بين معنى السبب في النظرية التقليدية ومعناه في النظرية الحديثة . وقد كان القانون الروماني لا يعتد بالسبب ولا بالإرادة ذاتها في العقود الشكلية . ثم انتصر مذهب الرضائية في القرون الوسطى على يد الكنسيين ، فأصبحت الإرادة وحدها – مجردة من الشكل – ملزمة . ولكن الإرادة إذا كانت من جهة قد تجردت من الشكل فتحللت من هذا القيد ، فهي من جهة أخرى قد اقترنت بالسبب فاستبدلت قيد السبب بقيد الشكل .
أما الإرادة مجردة من الشكل ومن السبب معاً فلا يمكن أن يسلم بها كقاعدة في قوانين تأخذ بالإرادة الباطنة كالقوانين اللاتينية . فإن الأخذ بالإرادة الباطنة معناه أن تحرر الإرادة من عيوبها وأن تقترن بسببها . ولكن الأخذ بالإرادة الظاهرة يجعل من اليسير أن تباعد ما بينها وبين الإرادة الباطنة ، فتتجرد الإرادة الظاهرة من عيوب الإرادة الباطنة كما تتجرد من السبب الذي حرك هذه الإرادة ، ولا يبقى في مجال التعامل إلا هذه الإرادة الظاهرة المجردة ، وهذا ما يسمى بالتصرف المجرد .
وهناك فائدة كبيرة من تجريد الإرادة الظاهرة على هذا النحو ، إذ بهذا التجريد يصبح التصرف غير قابل للإبطال لا من طريق عيوب الإرادة ولا من طريق عيوب السبب . فالدائن في التصرف المجرد يستطيع أن يتمسك بحقه دون أن يستطيع المدين الدفع بإبطال التصرف لعيب في الإرادة أو لعيب في السبب . وكل ما يستطيع المدين هو أن يرجع بدعوى الإثراء على دائنه ، فيدفع دعواه إذا لم يكن قد وفى الدين ، أو يسترد ما دفع إذا كان قد وفى . ومن ثم يكون التصرف المجرد أداة قوية من أدوات الائتمان ، تشتد حاجة التعامل إليها كلما اشتدت الحاجة إلى الاستقرار . وإذا كان التعامل بتنازعه عاملان ، عامل احترام الإرادة وعامل الاستقرار ، فإن التصرف المسبب يستجيب للعامل الأول ، ويستجيب التصرف المجرد للعامل الثاني . ومنذ انتكصت الشكلية في العقود وساد مذهب الرضائية ، انتصر عامل الإرادة على عامل الاستقرار ، ولم يستطع عامل الاستقرار أن يسترد ما فقد إلا بظهور التصرف المجرد ففيه ينتصر على الإرادة كما رأينا . ومن هنا كان تطور العقد من تصرف شكلي إلى تصرف رضائي ، ثم من تصرف رضائي إلى تصرف مجرد ، تطوراً تعاقب فيه عاملا الاستقرار والإرادة على مراحل متتابعة ، كان الظفر في كل مرحلة منها لأحد العاملين على الآخر . ومن هنا أيضاً كان التصرف المجرد رجوعاً مهذباً إلى التصرف الشكلي ، كلاهما يستجيب لعامل الاستقرار ، ولكن التصرف الشكلي يستجيب إليه في جمعية بدائية ، ويستجيب إليه التصرف المجرد في جمعية متحضرة .
على أن التصرف المجرد – على شدة الحاجة إليه في استقرار التعامل وبخاصة إذا تقدمت التجارة وتشعبت سبلها واحتيج إلى أدوات ائتمان ثابتة – لم يظفر من القوانين اللاتينية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الباطنة ، إلا بمكان ضيق محدود . وعلى النقيض من ذلك ظفر التصرف المجرد في القوانين الجرمانية ، وهي التي تأخذ بالإرادة الظاهرة ، بمكان رحب سما فيه إلى مرتبة القاعدة . ولا غرابة في ذلك ، فقد بينا أن التصرف المجرد يتمشى مع الإرادة الظاهرة التي تأخذ بها القوانين الجرمانية ( [23] ) . ويتعارض مع الإرادة الباطنة التي تأخذ بها القوانين اللاتينية .
ويبقى أن نستعرض حظ التصرف المجرد في كل من القوانين الجرمانية والقوانين اللاتينية ويدخل القانون المصري في هذه القوانين الأخيرة .

286 التصرف المجرد في القوانين الجرمانية:

 لا نجد في التقنينات الجرمانية نصوصاً تعرض لنظرية السبب عرضاً مباشراً كما تفعل التقنينات اللاتينية . فالتقنين النمساوي لا يشير إلى السبب إلا في المادة 901 ليقرر أن الباعث لا اثر له في صحة عقود المعاوضات إلا إذا جعل منه المتعاقدان شرطاً صريحاً لصحة العقد . والتقنين الألماني لا يعرض للنظرية بنص صريح . وتقنين الالتزامات السويسري لا يعرض لها إلا في صورة عرضية عندما ينص في المادة 17 على أن الاعتراف بالدين صحيح حتى لو لم يذكر سببه . ويعلل ذلك عادة بان هذه التقنينات تأثرت بالقانون الروماني ، وهذا القانون كما رأينا لا يفسح مجالا واسعاً لنظرية السبب إذ أن فكرة السبب فيه فكرة مادية لا تتبين لها نتائج علية إلا في نطاق محدود ، وبخاصة في نطاق دعاوي الإثراء . ولكن بالرغم من أن هذه التقنينات لا تنص على نظرية السبب نرى التصرفات فيها نوعين : النوع الأول هو التصرفات المسببة ( Kausale Rechtsgeschaefte ) وهي اغلب التصرفات المدنية وفيها السبب ركن يجب أن تتوافر فيه شروطه المعروفة فيكون صحيحاً مشروعاً ، والنوع الثاني هو التصرفات المجردة ( Abstrakte Rechtsgeschaefte ) لا يعتد فيها بالسبب ولا بعيوب الإرادة وقد وضعت لها قواعد عامة سيأتي بيانها .
فالسبب لا يزال إذن موجوداً في القوانين الجرمانية ، ولكنه سبب بالمعنى المفهوم في النظرية التقليدية يراد به الغرض الموضوعي المباشر من التعاقد تمييزاً له عن الباعث ، ويشترط فيه أن يكون صحيحاً مشروعاً وإلا بطل العقد . أما الباعث فلا اثر له في صحة العقد ولو كان هو الذي دفع إلى التعاقد ( [24] ) .
وإلى جانب التصرفات المسببة توجد التصرفات المجردة ، وقد أفسح لها مجال واسع كما قدمنا . وهي طائفتان : طائفة عقود انتقال الملكية وطائفة العقود المنشئة للالتزامات .
فالأولى تنتقل بها الملكية – والحق العيني بوجه عام – دون اعتبار للسبب . ذلك أن الملكية في هذه التقنينات لا تنتقل بمجرد نشوء الالتزامات بنقلها ، بل لا بد من تنفيذ هذا الالتزام بطريق عقد آخر هو عقد انتقال الملكية ، فيذهب المتعاقدان إلى المكتب العقاري ويعلنان اتفاقهما ويسجلان هذا الاتفاق في السجل العقاري ( Livre Foncier ) . وعقد انتقال الملكية ، في القانون الألماني بنوع خاص ، عقد مجرد ، تنتقل به الملكية سواء كان العقد المنشيء للالتزام بنقلها صحيحاً أو معيباً . وإذا أتضح بعد ذلك أن العقد كان معيباً وأن الملكية انتقلت دون سبب ، فليس لمن خرج عنها إلا الرجوع بدعوى شخصية على من تلقاها هي دعوى الإثراء بلا سبب . وبذلك يتوافر لهذا العقد مزية الاستقرار والثبات . فما على الشخص حتى يثبت أنه يتعامل مع مالك العقار إلا أن يرجع إلى السجل العقار ، فمن كان اسمه مسجلا فيه كان هو المالك ، ولو كان في ذلك تضحية للمالك الحقيقي – أما التقنين السويسري فلا يمحي الغير الذي اعتمد على السجل العقاري إلا إذا كان حسن النية ( م 973 من التقنين المدني السوري ) . ومن ثم نرى أن التجريد يحتمل التدرج . وتأييداً لذلك نسوق مثلا آخر نأتي به من القانون المصري . فقد قضت المادة 15 من قانون رقم 114 لسنة 1946 الخاص بتنظيم الشهر العقاري بوجوب تسجيل دعاوي استحقاق أي حق من الحقوق العينية أو التأشير بها ، ويترتب على هذا التسجيل أو التأشير أن حق المدعى إذا تقرر بحكم يكون حجة على من ترتبت لهم حقوق عينية ابتداء من تاريخ تسجيل الدعاوى أو التأشير بها ، ولا يكون هذا الحق حجة على الغير الذي كسب حقه بحسن نية قبل التأشير أو التسجيل المشار إليهما . ويتبين من ذلك أن من يتعامل مع غير المالك في عقار وهو حسن النية ، ويسجل عقده قبل أن يسجل المالك دعوى الاستحقاق ، يفضل على المالك وتخلص له ملكية العقار . والقاعدة كما نرى تنطوي على ضرب من التجريد .
والطائفة الأخرى من التصرفات المجردة عقود منشئة للالتزامات . وتشمل : ( أولاً ) حالات معينة بذاتها ، منصوصاً عليها . وهي – عدا الأوراق التجارية والسندات – حوالة الحق وحوالة الدين والتنازل عن الحق الشخصي والإنابة في الوفاء . وفي هذه الحالات يكون العقد مجرداً على النحو الذي رأيناه في عقود انتقال الملكية . فيتم نقل الحق أو الدين ويتحقق التنازل عن الحق الشخصي دون اعتبار للسبب في هذه الحوالة أو في هذا التنازل ، فإذا تبين أن السبب غير موجود أو غير مشروع فليس ثمة إلا الرجوع بدعوى الإثراء . كذلك التزام المناب للمناب لديه بالوفاء التزام مجرد عن السبب ، فلا يستطيع المناب أن يحتج على المناب لديه بما كان له أن يحتج به من دفوع ضد المنيب ( أنظر في التقنين الألماني : م 398 و م 413 لحوالة الحق ، وم 414 وما بعدها لحوالة الدين ، وم 397 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 784 للانابة في الوفاء – وانظر في تقنين الالتزامات السويسري : م 164 وما بعدها لحوالة الحق ، وم 179 فقرة ثالثة لحوالة الدين ، وم 115 للتنازل عن الحق الشخصي ، وم 468 للانابة في الوفاء ) . ( ثانياً ) التعهد المجرد بالوفاء ( promesse abstraite de payer ) والاعتراف المجرد بالدين ( reconnaissance abstraite de dette ) ، وهما الصورتان العامتان للتصرف المجرد . فتضع التقنينات الجرمانية هنا قاعدة عامة للتصرف المجرد ، وتجيز أن يتفق الدائن مع مدينه على أن يكون التزام المدين أو اعترافه بالدين مجرداً . فيوجد الالتزام في ذمته منفصلا عن السبب ، ويقوم هذا الالتزام حتى لو كان السبب غير موجود أو غير مشروع . وليس للمدين إلا دعوى الإثراء إزاء الدائن إذا تبين أن التزامه لم يكن مبنياً على سبب صحيح ، فيتخلص بذلك من التزام موجود أو يسترد ما دفعه وفاء لهذا الالتزام ( [25] ) . واشترطت المادة 780 من التقنين الألماني لصحة الالتزام المجرد أن يكون في ورقة مكتوبة ، إلا إذا كان تصفية لحساب أو عن صلح فلا تشترط الكتابة زولا يشترط تقنين الالتزامات السويسري الكتابة إطلاقاً ( م 17 ) ( [26] ) .

287 -التصرف المجرد في القوانين اللاتينية وفي القانون المصري:

 أما القوانين اللاتينية ، وهي مشبعة بنظرية السبب كما رأينا ، فلا تسلم بالتصرف المجرد . أو هي على الأقل لا تضع له قاعدة عامة كما فعلت التقنينات الجرمانية . وإذا كان هناك نص في كل من القانونين المصري والفرنسي يقضي بقيام الالتزام ولو لم يذكر سببه ( م 137 من القانون المصري الجديد و م 1132 من القانون الفرنسي ) ، فسنرى أن هذا النص لا يعرض إلا لمسالة من مسائل الإثبات ليلقى عبء الإثبات في السبب على عاتق المدين . وهناك فرق بين التزام مسبب ، يلقى على المدين فيه عبء إثبات انعدام السبب ، والتزام مجرد عن السبب . فالالتزام الأول ، إذا اثبت المدين أنه لا يقوم على سبب مشروع ، يكون العقد فيه باطلا . أما في الالتزام الثاني ، وهو الالتزام المجرد ، فيبقى العقد صحيحاً حتى لو اثبت المدين انعدام السبب أو عدم مشروعيته ، وليس أمام هذا إلا دعوى الإثراء كما سبق القول .
فالالتزام في القوانين اللاتينية هو إذن التزام مسبب . على أن هذه القوانين تقر الالتزام المجرد في حالات معينة منصوص عليها بذاتها ، وهي قليلة العدد . وقد نص القانون التجاري – حيث تشتد الحاجة للالتزام المجرد لاستقرار التعامل وسرعته – على عدد منها ، هي الكمبيالات والسندات تحت الإذن والسندات لحاملها . أما القانون المدني فقد نص على حالتين : التزام المناسب في الوفاء نحو المناب لديه والتزام الكفيل نحو الدائن .
ونقتصر هنا على ما ورد في هذا الصدد في القانون المدني المصري الجديد . فقد نصت المادة 361 على أن " يكون التزام المناب قبل المناب لديه صحيحاً ولو كان التزامه قبل المنيب باطلا أو كان هذا الالتزام خاضعاً لدفع من الدفوع ، ولا يبقى للمناب إلا حق الرجوع على المنيب . كل هذا ما لم يوجد اتفاق يقضي بغيره " ( [27] ) . أما في الكفالة فللكفيل أن يتمسك بجميع الأوجه التي حتج بها المدين ( م 782 مصري جديد ) ، ولكن التزام الكفيل نحو الدائن التزام مجرد لا يتأثر بالعلاقة مابين الكفيل والمدين ، ولا يجوز للكفيل أن يتمسك ضد الدائن بالدفوع التي له أن يتمسك بها ضد المدين . فإذا كفل الكفيل المدين في نظير أن يوفى المدين ديناً آخر عليه مضموناً برهن يثقل عقار الكفيل ، ولم يوف المدين بهذا الدين الآخر ، فإن التزام الكفيل نحو الدائن يبقى قائماً ، ولا يجوز للكفيل أن يدفع دعوى الدائن بان المدين لم يوف بما تعهد به من تخليص عقار الكفيل من الرهن ( [28] ) .
ويتبين مما قدمناه أن القانون المصري قد انحاز انحيازاً تاماً إلى القوانين اللاتينية ، وبقى في حظيرتها كما أسلفنا الإشارة . فاشترط في التصرفات أن تكون مسببة ، ولم يسلم بالتصرف المجرد إلا في حالات معينة بذواتها ( [29] ) .




 ( [1] ) ويعتبر القرض في هذه الحالة عقداً ملزماً للجانبين ، يلتزم به المقرض أن يسلم للمقترض مبلغ القرض ، ويلتزم به المقرض أن يرد هذا المبلغ للمقرض . فهناك ارتباط ظاهر بين الالتزامين ، وسنرى أن فكرة الارتباط في العقود الملزمة للجانبين تغني عن فكرة السبب . فإذا لم ينفذ المقرض التزامه ، سقط التزام المقترض لما يوجد من ارتباط بين الالتزامين .
 ( [2] ) أنظر بلانيول وريبير وإسمان 1 فقرة 252 ص 350 – فيفورنو في العقد في المشروع الفرنسي الإيطالي وفي القانون المقارن فقرة 124 ص 432 – ص 433 – أنظر أيضاً أوبرى وروى 4 فقرة 345 هامش رقم 1 – ديمانت وكولميه دي سانتير 5 فقرة 46 .
 ( [3] ) أنظر في المقابلة ما بين جمود النظرية التقليدية ومرونة النظرية الحديثة إلى بنكاز ملحق بودري 2 فقرة 550 وفقرة 613 .
 ( [4] ) أنظر في تحليل القضاء إلى دابان في نظرية السبب فقرة 152 – فقرة 165 .
 ( [5] ) ديموج 2 فقرة 746 ص 543 – ليفي اولمان في مذكراته في الالتزامات في الريع الأول من القرن العشرين ص 320 وص 328 – ص 334 – بنكاز ملحق بودري جزء 2 فقرة 608 و 609 و 212 – جوسران 2 فقرة 148 .
 ( [6] ) وليست نظرية الباعث خصبة فحسب في نطاق القانون المدني والقانون الخاص بوجه عام ، بل هي أيضاً خصبة في نطاق القانون العام . . فنظرية التعسف في استعمال السلطة في القانون الإداري – وهي التي بنى على غرارها نظرية التعسف في استعمال الحق في القانون المدني – إنما هي تطبيق لفكرة الباعث . فإذا كان الباعث للموظف الذي صدر منه القرار الإداري غير مشروع ، كان القرار باطلا للتعسف في استعمال السلطة .
وكما جاز أن يقال بالتعسف في استعمال السلطة الإدارية تطبيقاً لفكرة الباعث ، إلا يجوز أن يقال بالتعسف في استعمال السلطة التشريعية تطبيقاً للفكرة ذاتها ؟ فلا يكون العيب في التشريع أن يكون مخالفاً للدستور فحسب ، كما يخالف القرار الإداري القانون ، بل يجوز ايضاً أن يكون التشريع منطوياً على تعسف إذا هو مثلا مس حقوقاً مكتسبة لا ينبغي أن تمس ، أو إذا كان تحت ستار أن ه قاعدة عامة مجردة لم يتناول في الواقع إلا حالة فردية ذاتية ؟ هذا أمر نكتفي بالإشارة إليه ، فليس هنا مكان البحث فيه .
 ( [7] ) ومع ذلك يعتد ريبير بالباعث حتى إذا انفرد به أحد المتعاقدين ولم يعلمه المتعاقد الآخر ، اغرقاً منه في فكرته المأثورة من وجوب اخضاع التعامل لقواعد الآداب ( القاعدة الأدبية في الاتلزامات فقرة 35 ص 65 ) .
 ( [8] ) أنظر آنفاً فقرة 274 في الهامش – وانظر كابيتان في السبب ص 244 .
 ( [9] ) أنظر جوسران في البواعث ( Les Mobiles ) فقرة 159 ص 201 وفقرة 160 ص 203 .
 ( [10] ) أنظر بواجيزان ( Bois - Juzan ) في السبب في القانون الفرنسي ص 573 – ص 580 .
 ( [11] ) لوران 25 فقرة 65 – بودري وفال 1 فقرة 157 .
 ( [12] ) أنظر كتاب الإيجار للمؤلف فقرة 113 ص 157 – وانظر أيضاً كابيتان في السبب فقرة 110 – ومن الأحكام الفرنسية التي قضت ببطلان عقد الإيجار إذا كان المستأجر قد قصد إدارة العين المؤجرة للعهارة : محكمة ليون الإستئنافية في 11 يولية سنة 1862 سيريه 63 – 2 – 165 – محكمة باريس الإستئنافية في 26 ديسمبر سنة 1899 جازيت دي باليه 1900 – 1 – 132 . وهناك أحكام قضت ببطلان عقد الاستخدام في محل يدار للعهارة : عمحكمة النقض الفرنسية في 11 نوفمبر سنة 1890 داللوز 91 – 1 – 484 . وأحكام قضت ببطلان عقد بيع مفروشات لمحل يدار للعهارة : محكمة السين التجارية في أول مايو سنة 1888 جازيت دي باليه 88 – 1 – 797 . وأحكام قضت ببطلان بيع مشروبات اشتراها مرشح في الانتخاب لتقديمها إلى الناخبين حتى يحملهم على انتخابه وكان بائع المشروبات يعرف قصد المشتري : محكمة تارب ( Tarbes ) الابتدائية في 14 مارس سنة 1899 داللوز 1904 – 2 – 201 .
 ( [13] ) محكمة بو الإستئنافية في 28 يونية سنة 1906 سيريه 1907 – 2 – 61 – متجر ) – محكمة نيس الابتدائية في 18 نوفمبر سنة 1909 جازيت دي تربيينو 1910 – 1 – 119 ( مجرد مكان ) .
 ( [14] ) نقض فرنسي في 4 يوليوة سنة 1892 داللوز 92 – 1 – 500 .
 ( [15] ) نقض فرنسي في أول ابريل سنة 1895 سيريه 96 – 1 – 289 .
 ( [16] ) نقض فرنسي في 17 ابريل سنة 1923 داللوز 1923 – 1 – 172 .
 ( [17] ) أنظر مذكرات الأستاذ ليفي أولمان في الالتزامات في الربع الأول من القرن العشرين ص 327 .
 ( [18] ) نقض فرنسي في 6 ديسمبر سنة 1876 داللوز 77 – 1 – 492 – وفي 29 يونيه سنة 1887 سيريه 87 – 1 – 358 .
 ( [19] ) نقض فرنسي في 8 يولية سنة 1925 سيريه 1927 – 1 – 294 – وفي 8 يونية سنة 1926 داللوز 1927 – 1 – 113 .
 ( [20] ) نقض فرنسي في 11 مارس سنة 1918 سيريه 1918 – 1 – 170 .
 ( [21] ) نقض فرنسي في 2 يناير سنة 1907 داللوز 1907 – 1 – 137 .
 ( [22] ) نقض فرنسي في 17 يولية سنة 1883 سيريه 84 – 1 – 305 – وفي 8 مايو سنة 1901 داللوز 1902 – 1 – 220 – وفي 23 يوليوة سنة 1913 داللوز 1915 – 1 – 49 – وفي 31 أكتوبر سنة 1922 داللوز 1922 – 1 – 239 .
 ( [23] ) يفسر الدكتور أبو عافية – في رسالته " التصرف المجرد " القاهرة سنة 1947 – التصرف المجرد علىاساس الإرادة الظاهرة . وعنده أن التصرف المجرد هو التصرف الذي صح بغض النظر عن اختلاف الإرادة الظاهرة عن الإرادة الباطنة ( فقرة 84 من الرسالة المشار إليها ) . ويرتب على ذلك أن التصرف المجرد " نظام استثنائي خارج على القواعد العامةط ولا فرق في ذلك بين القانون الألماني والقانونين المصري والفرنسي " ( فقرة 85 ) . ويرفض أن يكون المعيار في التصرف المجرد هو تجرده عن السبب ، ويذهب إلى أن المعيار هو تجدر التصرف عن الإرادة الباطنة ليتمحض إرادة ظاهرة .
ونلاحظ على هذا المذهب أن التصرف المجرد وهو يتجرد عن الإرادة الباطنة يتجرد في الوقت ذاته عن السبب ، وذلك سواء اعتبر السبب عنصراً مستقلا عن الإرادة الباطنة كما هي الحال في القوانين اللاتينية ، أو اعتبر عنصراً غير مستقل عن الإرادة الباطنة وعد من مقومات هذه الإرادة كما هي الحال في القانون الألماني . فالتصرف المجرد يتميز في جميع الأحوال بتجرده عن السبب . على أن المذهب الذي يقول به الدكتور أبو عافية يضيف شيئاً جديداً ، هو أن التصرف المجرد يتميز لا بتجرده عن السبب فحسب ، بل أيضاً بتجرده عن الإرادة الباطنة ذاتها .
 ( [24] ) أنظر كابيتان في السبب فقرة 83 – فقرة 84 وبنوع خاص ص 181 – ص 182 . ويستعرض الدكتور أبو عافية في رسالته المشار إليها ( فقرة 41 وما بعدها ) نظرية السبب في القانون الألماني من ناحيتي التصرف المجرد ومبدأ الإثراء بلا سبب . فيبدأ بتحديد ما يسميه الألمان " الإضافة إلى الذمة " ( Vermogenszuwendug ) ، وهي عبارة عن منفعة مالية أو إثراء يتحقق لصالح شخصي بمقتضى عمل إرادي مشروع ( تصرف قانونين أو عمل مادي ) يصدر من المفقتر . وسبب " الإضافة إلى الذمة " هو عبارة عن الغرض المباشر الذي يرمي إلى تحقيه المضيف للذمة . ويحدد هذا السبب وفقاً للفقه الألماني على أساس تقسيم ثلاث للسبب موروث عن دعاوي الإثراء في القانون الروماني ، يكون السبب بمقتضاه إما الوفاء ( causa solvendi ) أو الادانة ( causa credendi ) اوالتبرع ( causa donandi ) . والادانة هي التصرف بمقابل ، وهذا المقابل إما أن يكون موضوعه استرداد ما أعطاه المضيف أو استرداد قيمته كما في القرض وفي الوكالة ، وإما أن يكون موضوعه شيئاً آخر يحدد بالاتفاق كما في العقود الملزمة للجانبين فالبائع يحصل على دين بالثمن في مقابل التزامه بنقل ملكية المبيع . ولا يختلط سبب الإضافة إلى الذمة بالباعث عليها . ويلاحظ الفقهي الألماني فون تور أنه " لا يجب الخلط بين السبب القانونين والاغرراض البعيدة التي يرمى إليها المضيف ، أي البواعث ( Beweggrunde ) التي تدفعه إلى تنفيذ التزامه أو إلى الحصول على مقابل أو إلى الهبة . فوراء كل سبب قانونين بواعث تختلف باختلاف الأحوال . فالهبة مثلا قد تتم بناء على عطف أو بسبب الرأي العام ، ولكن هذه البواعث لا تدخل في حسابنا كقاعدة عامة لتقدير وجود الإضافة ونتائجها القانونية إلا إذا كانت قد اشترطت في التصرف القانونين " . وسنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى عند الكلام في الإثراء بلا سبب وتحديد معنى السبب في الإثراء في القانون الألماني . ويكفينا هنا أن نشير إلى التقارب الواضح بين معنى السبب في النظرية التقليدية ومعنى سبب الإضافة إلى الذمة في الفقه الألماني .
أنظر أيضاً في نظرية مادية للسبب في الفقه الإيطالي ، على أساس أن السبب يرتبط بإرادة القانون لا بإرادة الأفراد وباعتبار أن لكل تصرف وظيفة قانونية فهذه الوظيفة هي السبب ، إلى رسالة الدكتور أبو عافية المشار إليها فقرة 36 .
 ( [25] ) وقد عبد الطريق أمام التقنين الألماني في إجازة الالتزام المجرد أن المؤتمر التاسع لفقهاء الألمان ، تحت تأثير إهرنج الفقيه الألماني المعروف ، اقر هذا الضرب من الالتزام .
 ( [26] ) أنظر في موضوع التصرف المجرد في القوانين الجرمانية كابيتان في السبب فقرة 85 – فقرة 86 وفقرة 165 – فقرة 174 – سالي في الالتزامات في القانون الاماني فقرة 260 – فقرة 266 – مذكرات الأستاذ ليفي اولمان ص 361 – ص 364 – فيفورنو فقرة 128 – ديموج 1 فقرة 91 و 2 فقرة 847 . ويربط ديموج نظرية الالتزام المجرد بنظرية الإرادة الظاهرة كما فعل الدكتور أبو عافية في رسالته المشار إليها ، فما دمنا نأخذ بالإرادة الظاهرة كما هي فلا شأن لنا بالغاية التي تسعى إليها هذه الإرادة ولا بالباعث الذي حركها ( نظرية العقد للمؤلف فقرة 560 ) .
 ( [27] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في 10 فبراير سنة 1931 م 43 ص 208 – وفي 4 يناير سنة 1933 م 45 ص 101 – وفي 17 مارس سنة 1936 م 48 ص 191 – وقارن حكما لمحكمة الاستئناف المختلطة في 25 مايو سنة 1939 م 51 ص 361 قصرت فيه هذه القاعدة على الإنابة الكاملة دون الإنابة غير الكاملة ( وهي التي لا تنطوي على تجديد الدين ) ، أما القانون الجديد فنصه هو كما رأينا عام مطلق لا يميز بين الإنابة الكاملة والإنابة غير الكاملة . أنظر أيضاً الدكتور أبو عافية في التصرف المجرد فقرة 62 .
ويذهب الدكتور أبو عافية ( التصرف المجرد فقرة 61 ) إلى أن المناب لا يجوز له أيضاً أن يتمسك بالدفوع التي تكون للمنيب قبل المناب لديه ، فلو دفع المنيب الدين للمناب لديه فإن هذا لا يمنع المناب لديه أن يطالب المناب بالدين الذي التزم به ، ويرجع المنيب في هذه الحالة بدعوى الإثراء على المناب الديه . ونرى ، مع محكمة الاستئناف المختلطة ( أول يدسمبر سنة 1925 م 38 ص 78 ) التي انتقد الدكتور أبو عافية حكمها ، أن المنيب إذا دفع الدين للمناب لديه كان هذا رجوعا في الإنابة يستطيع المناب أن يتمسك به ، فإذا طالب المناب لديه بعد ذلك المناب بالدين ، جاز لهذا أن يدفع المطالبة بانقضاء الدين ، ولي في نص المادة 361 من القانون الجديد ما يحول دون هذا الدفع . ولكن إذا حول المناب لديه حقه قبل المناب إلى أجنبي ، بقى التزام المناب مجرداً بالنسبة إلى هذا الأجنبي – ذلك أن التصرف المجرد إرادة ظاهرة تجردت عن الإرادة الحقيقية وعن السبب ، وفقا لما يقضي به القانون لمصلحة يتواخها . فالقانون هو الذي يمسك بزمام التجريد ، فلا يبيحه إلا لضرورة ، وبقدر هذه الضرورة . ومن ثم تدرج التجريد تبعاً للقدر الذي تقتضيه الضرورة . وفي المثال السابق يزول التجريد بالنسبة إلى المناب لديه لأن الضرورة لا تقتضيه ، ويبقى بالنسبة إلى الأجنبي لأن الضرورة تستوجب بقاءه .
 ( [28] ) أنظر في هذا المعنى محكمة الاستئناف المختلطة في 20 ابريل سنة 1930 م 42 ص 470 – الدكتور أبو عافية في التصرف المجرد فقرة 59 – فقرة 60 .
 ( [29] ) ويلاحظ أنا لشرائع التي تأخذ بالإرادة الظاهرة يغلب إلا تفسح مجالا واسعا لنظرية السبب ، وتكون فكرة السبب عندها فكرة مادية ، وتقر التصرف المجرد زراينا ذلك في القوانين الجرمانية ، وتقول الآن كلمة موجوزة عن الشريعة الإسلامية وعن القانون الإنجليزي .
فالشريعة الإسلامية تأخذ بالإرادة الظاهرة إلى مدى بعيد . ويظهر أن هذا هو الذي منع من تقدم نظرية السبب فيها مع إنها شريعة مشبعة بالروح الدينية والخلقية كالقانون الكنسي الذي هو المصدر الأول لنظرية السبب الحديثة . وإذا أمكن أن نستخلص من نصوص الفقه الإسلامي نظرية للسبب ، فهذه النظرية لا يمكن إلا أن تكون نظرية مادية . ويستطيع الباحث أن يستخلص من نصوص الفقه الإسلامي التمييز ما بين الغرض المباشر الذي قصد المتعاقدان الحصول عليه من العقد وبين الباعث له على التعاقد . فالباعث لا اثر له في صحة العقد إلا إذا ذكر صراحة وأصبح جزءاً من الاتفاق ( أنظر بحثاً في هذه المسألة في نظرية العقد للمؤلف فقرة 562 ) .
والقانون الإنجليزي كالشريعة الإسلامية نظرية السبب فيه نظرية مادية . والعقود عنده إما شكلية وهذه يكفي في صحتها الشكل وحده و وإما رضائية وهذه لا بد فيها من وجود اعتبار ( considération ) وهو ما يقابل السبب بالمعنى المفهوم من النظرية التقليدية ، أي السبب المادي الداخلي الذي لا يتغير من ويختلف " الاعتبار " عن " السبب " في أمرين : ( 1 ) الفكرة في الاعتبار ليست هي الغنم الذي حصل عليه الملتزم من وراء التزامه كما هو الأمر في السبب ، بل هو الغرم الذي تحمله الدائن حتى يحصل على التزام المدين ( 2 ) نية التبرع لا تصلح " اعتباراً " في القانون الإنجليزي وتصلح " سبباً " في النظرية التقليدية . ومن هنا كانت عقود التبرع في القانون الإنجليزي شكلية لخلوها من " الاعتبار " ( نظرية العقد للمؤلف فقرة 561 ) . 

مقالات ذات صلة

النظرية الحديثة في السبب
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح