بحث في موسوعة القانون المشارك

الاثنين، 31 يوليو 2017

عقد الإيجار من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية

2 – عقد الإيجار من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية
15 – البيئة الاجتماعية التي ظهر فيها عقد الإيجار : لم يكن عقد الإيجار معروفاً في العصور الأولى للإنسانية ، وقت أن كان النظام الاجتماعي يقضي بوجود طبقتين من الناس لا ثالث لهما : طبقة الملاك وهؤلاء كانت لهم الأرض والبيوت ، وطبقة العبيد يعملون في الأرض ويخدمون في البيوت لحساب أسيادهم . فلم تكن هناك حاجة لعقد الإيجار . ولكن هذه الحالة الاجتماعية لم تدم ، وما لبث أن تكون بالتدريج طبقة وسطى بين الطبقتين ، من عبيد تحرروا فارتفعوا إلى طبقة أعلى ، وملاك أضاعوا ما يملكون واضطروا إلى تلمس أسباب العيش من كسب أيديهم فهبطوا إلى طبقة أدنى . وتقابل الفريقان ، فكان منهم ومن نسلهم تلك الطبقة الوسطى التي أشرنا إليها ، وهذه كانت تعمل في أرض الملاك وتسكن بيوتهم . ولذلك نشأت الحاجة إلى عقد الإيجار ، يحدد العلاقة القانونية بين الطبقتين . ومال الملاك من جهة أخرى إلى استغلال أملاكهم بطريق الإيجار بعد أن تحرر عدد كبير من العبيد ، فلم يعودوا يستطيعون استغلال الأرض بواسطة العبيد . وأخذت الطبقة العاملة تستغل الأموال ، وتقتسم الغلة مع أصحاب هذه الأموال ، وتدفع لها نصيبها في شكل أجرة بموجب عقد إيجار . وسكنت طبقة الملاك إلى هذه الحالة ، فأخذت في تشييد المنازل لإيجارها لمن لا قبل له بامتلاك المسكن الذي يأوى إليه . وعاد ذلك بالفائدة على الفريقين ، ففريق المؤجرين يستغلون أموالهم على خير وجه ، وفريق المستأجرين ينتفعون بالشيء الذي لا يستطيعون امتلاكه .
والظاهر أن أول عقد عرف هو عقد المقايضة ، وتلاه البيع بعد أن اخترعت النقود ، ثم تلى البيع الإيجار . فالإيجار من أقدم العقود عهداً ، وكان معروفاً في القانون الروماني كعقد من العقود الشكلية قبل أني صبح مع البيع من عقود التراضى . وبدأ في أول عهده عند الرومان يكون بين الحكومة والأفراد ، إذا كانت الحكومة تؤجر للأفراد الأراضي المملوكة لها والمحاجر والمصايد وغيرها بطريق المزاد العلني . وظهر أثر ذلك في عقود الإيجار بين الأفراد بعضهم ببعض ، إذا كانوا يقلدون في هذه المعاملات الفردية ما كان متبعا في عقود الإيجار مع الحكومة ، من تحديد المدة ، ومن تجديد هذه المدة ، بعد انقضائها ، ومن تقدير الأجرة بمبلغ من النقود ، ومن جعل هذه الأجرة في مقابل الانتفاع وقد كانت الحكومة لا تتقاضى أجرة على أراضيها إذا امتنع على المستأجر الانتفاع بها بسبب غزو أو حرب .
ويرى بعض فقهاء القانون الروماني أن الإيجار اقتصر في أول الأمر على الدواب والعبيد تستأجر في عهد الحصاد ، ويرى بعض آخر أنه امتد إلى العقار في الوقت الذي تناول فيه المنقولات ، وأنه بدأ في العقار بالبيوت قبل أن يتناول الأراضي الزراعية وذلك لحاجة الطبقة الفقيرة إلى السكن . ويفسر أصحاب هذا الرأي ضعف مركز المستأجر إزاء المؤجر من الوجهة القانونية ، والسبب في الاقتصار على إعطائه حقا شخصيا لا عينيا ، والتقصير في حماية حيازته حماية كاملة ، بأن طبقة المستأجرين كانت في أول أمرها طبقة ضعيفة فقيرة ، هذا عدا أسباباً أخرى قانونية خاصة بالقانون الروماني سيأتي ذكرها في موضعه ( [1] ) .
16 – أهمية عقد الإيجار : يتضح مما تقدم أن عقد الإيجار هو قوام الطبقة الوسطى والطبقة الفقيرة ، وهما الطبقتان القائمتان بأهم الأعمال العقلية والمادية . وهو في الوقت ذاته بالنسبة إلى الطبقة الغنية من خير طرق الاستغلال للأموال . ولذلك قال الأستاذ دي هلتس بحق إن عقد الإيجار من أكثر العقود تداولا ، وليس بين الناس إلا من هو مستأجر ، عدا الملاك الذين يسكنون في أملاكهم والمتشردين للذين لا مأوى لهم ، وحتى الملاك لا تخلو الحال غالباً من أهم يؤجرون ويستأجرون ( [2] ) .
وعقد الإيجار فوق ذلك يجعل المؤجر والمستأجر في اتصال دائم طوال مدة الإيجار ، مما يستدعى الدقة في وضع القواعد التي تضبط هذه العلاقة المستمرة ، وتبين حقوق كل من الطرفين وواجباته . وهذا يجعل القانون المتعلق بالإيجار من القوانين التي يكثر رجوع الناس إليهم في معاملاتهم ، ويجعل قضايا الإيجار أمام المحاكم من أكثر القضايا عدداً ، مما يستلزم وضع قواعد خاصة لتنجيز هذه القضايا وسرعة البت فيها .
وقد قيل في فجر القرن التاسع عشر : (( إن عقد الإيجار تولد من الحاجة إلى التضامن بين الثروة العقارية والصناعية ، وهو كثير التداول بنوع خاص في بلد تقدمت فيه العلوم والفنون والتجارة والملاحة إلى حد لم يدع لكثير من الملاك وقتاً لاستغلال أموالهم بأنفسهم ، ولم يوفر لهم الوسائل لذلك . في بلد ليس كل سكانه من ذوي الثروة العقارية ، وتقتضي فيه المعاملات التجارية أن يبقى جزء كبير من رؤوس الأموال مخصصا للتجارة . فالإيجارله علاقة وثيقة بالشيئين اللذين يرتبطان بالنظام العام أشد ارتباط ، وهما الملكية والصناعة. ولذلك كان من الضروري أن يكون للإيجار أحكام من شأنها المحافظة على الأملاك وترقية الزراعة . ولا يجوز أيضا أن يغيب عن البال تلك الطبقة الكثيرة العدد ، وليس لها من ملك غير أيديها العاملة ، وليس لها من مأوى إلا ما تستأجره من أملاك الغير . لذلك وجب أن تكون الأحكام القانونية الخاصة بالإيجار سهلة واضحة دقيقة )) ( [3] ) .
وإذا كان ما قيل في الهيئة التشريعية الفرنسية عن الإيجار في فجر القرن التاسع عشر صحيحاً ، فهو الآن ونحن في النصف الثاني من القرن العشرين أصح وأكثر انطباقاً على حالة المدنية الحاضرة م وجوهها الاجتماعية والاقتصادية . فعقد الإيجار يعد من المقومات الاقتصادية للطبقة العامة في العصر الحاضر ، وهذه الطبقة هي التي يقوم عليها صرح البناء الاجتماعي والاقتصادي في وقتنا هذا . ولذلك كان الإيجار متضمنا لمسألة كبرى ، هي اجتماعية واقتصادية في وقت واحد ، نعالج بحثها فيها يلي بكل إيجاز ( [4] ) .
17 – المسألة الاجتماعية والاقتصادية التي يتضمنها عقد الإيجار :
يمكن تلخيص هذه المسألة في العبارة الآتية : يجب أن يتحقق التضامن بين المؤجر والمستأجر من الوجهة الاجتماعية ، كما يجب من الوجهة الاقتصادية أن يعطي لكل من رأس المال ويمثله المؤجر ، والعمل ويمثله المستأجر ، نصيبه العادل .
في كل بلد متحضر توجد طبقة المؤجرين وطبقة المستأجرين ، ولابد من التضامن الاجتماعي بين هاتين الطبقتين ، وإلا كان كل منهما حربا على الآخر ، يهتبل الفرص لأكل حقه بالباطل . ومما يساعد على قيام هذا التضامن التشريع المناسب مع حالة البلد الاجتماعية والاقتصادية ، فيعمل المشرع على جعل مصالح الطبقتين مشتركة لا متنافرة ، حتى يسود السلام الاجتماعي بين طبقات الأمة الواحدة . ولقد رأينا المشروع في مصر وفي فرنسا وفي غيرهما من البلدان ، عقب الحربين العالميتين ، يضطر للتدخل لما مال ميزان المساواة بين الطبقتين ، واشتطت طبقة المؤجرين فأعنتت الطبقة الأخرى ، وغالت في رفع سعر الأجرة ، بعد أن قلت المساكن ووقفت حركة البناء لغلاء المواد الأولية ، وبعد أن نزل سعر المحصولات الزراعية ونقصت مقاديرها . كان هذا التدخل من جانب المشرع – وإن نعى عليه أنصار النشاط الفردي – محموداً بل واجباً في زمن ليس من الصحيح أن يقال فيه بوجوب ترك القوات الفردية تتناضل لما بينها من التكافؤ . فالواقع أن القوات الفردية أصبحت في المدينة الحاضرة غير متكافئة من  حيث الإنتاج الاقتصادي ، والواقع أيضاً أن الفرد لا ينزل إلى الميدان كفرد منعزل ، بل هو يتقدم كعضو في طبقة ينتمي إليها ، والنضال إذا كان موجودا فهو بين الطبقات لا بين الأفراد .
وإذا قلنا بوجوب تحقيق التضامن والمساواة بين طبقتي المؤجرين والمستأجرين ، فذلك يدعونا إلى النظر في ظل هذا المبدأ إلى مسألة رئيسية ، هي على أي أساس يجب تحديد الأجرة في عقد الإيجار ( [5] ) .
18 – أساس تحديد الأجرة في عقد الإيجار : كتبنا في مؤلفنا في الإيجار الذي وضعناه في سنة 1929 ، أي منذ أكثر من ثلاثين عاماً ، هذا الصدد ما يأتي :
(( أما عن الأجرة فيجب أن يقوم تحديدها على أساس التضامن اللازم بين رأس المال والعمل ، بحيث لا يجحف أحدهما بالآخر ، فكلا العاملين ضروري للإنتاج . ومستأجر الأرض الزراعية مثلا لا يجني محصولا من غير مواتاة الأرض له ، والأرض لا تواتي إلا بالعمل . فإذا أريد تحديد الأجر الذي يؤديه المستأجر للمؤجر ، وجب أن يراعى في ذلك تحقيق المساواة بين هذين العاملين ، فإذا كان ربح تشاطره الفريقان ، وإن كانت خسارة $28 أصابتهما معاً .. غير أن للمسألة وجهاً آخر ، وذلك أن المالك إذا أجر ملكه ، فليس ذلك بنية أن يكون شريكاً للمستأجر يشاطره الربح والخسارة ، وهو لو أراد ذلك لوجد السبيل إليه في عقد الشركة أو في عقد المزارعة . وإنما يريد أن يضمن لنفسه ريعاً ثابتاً يأخذه من المستأجر ، ويتركه وشأنه له الربح وعليه الخسارة . وهذا مطلب مشروع لا يجوز أن يمنع منه المؤجر )) .
(( على أن الأمر بالنسبة للمستأجر ليس احتماليا إلى الحد الذي قد يظهر مما تقدم ، فإن الشيء المؤجر إذا كان منزلا للسكني أو مكاناً من الأمكنة الأخرى أو منقولا ، فانتفاع المستأجر به غير احتمالي ، بل هو مؤكد ، وهو يعطي للمؤجر الأجرة التي تقابل هذا الانتفاع . والمشرع في ذلك يرقب ألا يجحف المؤجر بالمستأجر في ظروف استئنافية ، كالظروف التي جدت عقب الحرب وسبقت الإشارة إليها وعالجها المشرع علاجاً خاصاً )) .
(( وأما إن كان الشيء المؤجر أرضاً زراعية فهنا موضع البحث والنظر ، لأن المحصولات الزراعية – لا سيما في مصر – غير ثابتة ، لا من حيث أسعارها ، ولا من حيث مقاديرها . لذلك نرى مؤجرى الأرض الزراعية هم في الغالب الفائزون ، لأنهم يتقاضون عن أراضيهم أجرة لا يراعون في تحديدها إلا مصلحتهم ، غير ناظرين إلى الظروف التي أصبح حدوثها في مصر أمراً معتاداً ، من آفة تصيب الزراعة فتنقص المحصول إلى النصف أو الثلث في بعض الأحيان ، ومن هبوط فاحش في أسعار المحصولات لا يد للمستأجر فيه ولا طاقة له بدفعه ، وكل هذه الخسارة ينفرد بها المستأجر بدعوى أن العقد قانون المتعاقدين ، وأن المستأجر التزم بدفع أجرة معينة فيجب عليه القيام بما التزم به . ومن هنا نجد أن الميل الغالب عند ملاك الأراضي الزراعية هو أن يؤجروها لا أن يزرعوها لحسابهم ، لأنهم يعلمون أن الغانم في أغلب الأحيان هو المؤجر ، وأن على غيره تقع الخسارة )) .
(( هذه الحالة السيئة التي وجد فها صغار مستأجري الأرض الزراعية في مصر قضت عليهم أن يبقوا في شظف من العيش ، وأن يكدوا وينصبوا فلا يجزوا بعد هذا إلا الكفاف . وليس من العدل أن يقف المشرع أمام ذلك مكتوف اليد ، يرى طبقة الفلاحين في هذا الضنك مسلوبين من ثمرة عملهم . ولا يجب أن نغتر بسكوت هذه الطبقة عن المطالبة بحقوقها ، فإنها إن سكتت اليوم عن ذلك لما هي فيه من الجهل المخيم ، فهي ستتنبه غدا إلى سوء حالتها ، متى قام بين ظهرانينها جيل متعلم يوجه اهتمامه إلى المسائل الاجتماعية والاقتصادية ، فيشعرها بما هي فيه من الشقاء . وقد بدأ بعض الفلاحين ينزح إلى المدن والبندر حيث العيش أرغد ، ويخشى لو دام الحال على ذلك أن تقل الأيدي العاملة في الزراعة . والعلاج في نظرنا يجب أن يتولاه كل من الاقتصادي والمشرع . أما الاقتصادي فيجب أن يعمل لتنمية روح التعاون بين الفلاحين وإنشاء النقابات اللازمة لذلك ، والمشرع يعني فيما يعني به من شؤون الزراعة بوضع قواعد لتحديد أجرة الأرض الزراعية ، بحيث لا يغبن المؤجر ولا يضار المستأجر )) ( [6] ) .
كتبنا هذه الكلمات منذ أكثر من ثلاثين عاما ، وكأننا كنا نقرأ في كتاب الغيب . فقد تحقق كل ما ذكرناه ، وتدخل المشرع إلى أبعد حدود التدخل ، ووضع حداً أقصى لأجرة الأماكن ، وحداً أقصى لأجرة الأراضي الزراعية . وانقلبت الموازين ، فشالت كفة المؤجر ، وثقلت كفة المستأجر . وسنرى كيف أن قوانين إيجار الأماكن وقوانين الإصلاح الزراعي قلبت الأمور رأساً على عقب ، وبعد أن كان حق المستأجر موكوساً صار هو الأعلى . وثأر المستأجرون والفلاحون لأنفسهم ، وقد تنبأنا لهم بذلك فيما قدمناه . ونرجو ألا يكون هناك شطط ، فيصبح المغبون هو الغابن ، ويعد الميزان إلى الاختلال . ونحن إنما ننصح بالتضامن بين طبقتي المؤجرين والمستأجرين ، لا بالصراع بينهما .






( [1] ) جيرار ص 580 هامش رقم 4 – نقلت هذه الفقرة من كتاب الإيجاز للمؤلف فقرة 2.
( [2] ) دي هلتس 2 الإيجار فقرة 28 .
( [3] ) خطبة جوبير ( Jaubert ) عن تقرير موريكولت Mourricault ) وقت عرض مشروع تقنين نابليون على الهيئة التشريعية الفرنسية .
( [4] ) نقلت هذه الفقرة عن كتاب الإيجار للمؤلف فقرة 3 .
( [5] ) نقلت هذه الفقرة عن كتاب الإيجار للمؤلف فقرة 4 .

( [6] ) الإيجار للمؤلف فقرة 5 ص 7 – ص 10 .

مقالات ذات صلة

عقد الإيجار من الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح