بحث في موسوعة القانون المشارك

الأربعاء، 9 مايو 2018

الغلط في القانون ومدى صحة عقد الصلح

لايجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون

استثناء صريح من القواعد العامة ، فإن هذه القواعد تقضي بأن الغلط في القانون كالغلط في الواقع يجعل العقد قابلا للإبطال . وقد نصت المادة 122 مدني في هذا الصدد على أن " يكون العقد قابلاً للابطال لغلط في القانون، اذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقا  للمادتين السابقتين(أي المادتين 120و121 مدني) ، هذا ما لم يقض القانون بغيره " . وقد قضى القانون فعلاً ، في المادة 556 مدني بانه لايجوز الطعن في الصلح بسبب غلط في القانون ، بغير ما تقضي به القواعد العامة ، وبأن الغلط في القانون في عقد الصلح لا يجعل الصلح قابلاً للإبطال

363 - الغلط في القانون في عقد الصلح نص قانوني :

 تنص المادة 556 من التقنين المدني على ما يأتي : " لا يجوز الطعن في الصلح بسب غلط في القانون " ( [1] ) .

وهذا النص استثناء صريح من القواعد العامة ، فإن هذه القواعد تقضي بأن الغلط في القانون كالغلط في الواقع يجعل العقد قابلا للإبطال . وقد نصت المادة 122 مدني في هذا الصدد على أن " يكون العقد قابلاً للابطال لغلط في القانون، اذا توافرت فيه شروط الغلط في الواقع طبقا للمادتين السابقتين ، هذا ما لم يقض القانون بغيره  " . وقد قضى القانون فعلاً ، في المادة 556 مدني السالفة الذكر ، بغير ما تقضي به القواعد العامة ، وبأن الغلط في القانون في عقد الصلح لا يجعل الصلح قابلاً للإبطال ( [2] ) .
وتقول المذكرة الإيضاحية للمشروع التمهيدي في تعليل هذا الاستثناء ما يأتي : " ويجب التمييز ما بين الغلط في فهم القانون ، وهذا لا يؤثر في الصلح علي خلافي القاعدة العامة ، والغلط في الوقائع ، وهذا يؤثر في الصلح سواء وقع في الشخص أو في صفته أو في الشيء محل النزاع أو في الباعث الخ ، ما دام الغلط جوهرياً . والسبب في أن الغلط في فهم القانون لا يؤثر في الصلح ، أن المتصالحين كانا وهما في معرض المناقشة في حقوقها يستطيعان التثبت من حكم القانون فيما قام بينهما من نزاع على هذه الحقوق . بل المفروض أنهما يثبتا من هذا الأمر ، فلا يسمع من أحد منهما بعد ذلك أنه غلط في فهم القانون " ( [3] ) .
وهذا التعليل التقليدي الذي يتردد كثيراً في الفقه الفرنسي ( [4] ) ، ينتقده الفقه الحديث ( [5] ) ، فلا شيء يبرر الخروج على القواعد العامة في الغلط في الصلح وجعل الغلط في القانون لا يؤثر في صحة العقد ( [6] ) . والقول  بأن المتصالحين كانا وهما في معرض المناقشة في حقوقهما يستطيعان التثبت من حكم القانون فيما قام بينهما من نزاع ، بل المقرض أنهما تثبتا من هذا الأمر ، لا يمنع من أنهما بالرغم من هذا التثبيت يقعان في غلط في القانون . وإذا كان لا بد من تعليل لهذا الحكم ، فالظاهر أن اقرب تعليل هو أن المتصالحين ، ما داما على بينة من الواقع ولم يقعا في غلط فيه ، إنما يتصالحان على حكم القانون في النزاع الذي بينهما . وسواء علما حكم القانون في هذا النزاع أو لم يعلماه ، فهما قد قبلا حسم النزاع بينهما على الوجه الذي اتفقا عليه مهما كان حكم القانون . فلو أن أحدهما كان في غلط في حكم القانون وتبين غلطه قبل أن يبرم الصلح ، لما منعه تبينه للغلط من أن يمضي في الصلح الذي ارتضاه . هذا هو ما أقترضه المشرع ، فجعل الغلط في القانون ليس بالغلط الجوهري في عقد الصلح ، وليس من شأنه إذا علمه من وقع فيه أن يمنع من التعاقد ( [7] ) .
ويتوسع القضاء الفرنسي في استبعاد الغلط في القانون كسبب لإبطال الصلح . من ذلك أنه إذا اختلط الغلط في القانون بغلط في الواقع ، ومن ثم كان ينبغي أن يكون الغلط في الواقع كافياً وحده لإبطال الصلح ، فإن القضاء الفرنسي يستظهر الغلط في القانون ويجعله يجب الغلط في الواقع  إذا كان هذا الغلط غير مغتفر ، ومن ثم لا يبطل الصلح إذ يقف عند الغلط في القانون وحده فإذا اصطلح شخصان في شأن سند باطل ، وكانا واقعين في غلط في الواقع وغلط في القانون ، في شأن هذا البطلان ، فإن الصلح مع ذلك لا يبطل للغلط إذا ظهر أنه كان ينبغي أن يدرك المتصالحان بطلان السند ( [8] ) . وإذا غلط أحد المتصالحين في جنسية المتعاقد معه ، فاختلط الغلط في الواقع بالغلط في القانون ، لم يعتد القضاء الفرنسي بالغلط في الواقع ووقف عند الغلط في القانون فلا يبطل الصلح ( [9] ) . وينتقد بعض الفقهاء هذا التوسع ويذهبون إلى أنه لو أن القضاء فسر حكم الغلط في القانون تفسيراً ضيقاً كما ينبغي باعتباره استثناء من القواعد العامة ، ولم يجعله يجب الغلط في الواقع إذا خالطه ، لصعب في العمل أن يوجد غلط في القانون دون أن يخالطه غلط في الواقع ، و لضاقت دائرة الاستثناء إلى حد كبير ( [10] ) .
وقد سار القضاء المصري في عهد التقنين المدني السابق على أن الغلط في القانون لا يكون سبباً في إبطال عقد الصلح ( [11] ) . وأكد التقنين المدني الجديد هذا الحكم بنص صريح ( م 556 مدني السالفة الذكر ) .


التالي: 

  • الغلط في الحساب
  • الغلط في الواقع
  • - أمثلة أخرى للغلط في الواقع
  • عدم تجزئة الصلح عند بطلانه 


( [1] )     تاريخ النص : 
ورد هذا النص في المادة 747 من المشروع التمهيدي على الوجه الآتي : " 1 – يجوز الطعن في الصلح بسبب الإكراه أو التدليس . 2 – ولا يجوز الطعن فيه بسبب الغبن أو بسبب غلط في القانون ، ولكنه يكون قابلا للبطلان إذا شابه غلط مادي وقع في شخص المتعاقد الآخر أو في صفته أو في الشيء الذي كان محلا للنزاع " . وفي لجنة المراجعة عدل النص ، فأصبح مقصوراً على ما استقر عليه في التقنين المدني الجديد ، لأن بقية الأحكام التي حذفت مستفادة من القواعد العامة ، وصار النص رقمه 584 في المشروع النهائي . ووافق عليه مجلس النواب ، فمجلس الشيوخ تحت رقم 556 ( مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 458 وص 461 – ص 463 ) .
ويقابل هذا النص في التقنين المدني السابق م 533 / 657 : لا يجوز الطعن في الصلح إلا بسبب تدليس أو غلط محسوس واقع في الشخص أو في الشيء أو بسبب تزوير السندات التي على موجبها صار الصلح وتبين بعده تزويرها .
( وكان القضاء في عهد التقنين السابق يفسر هذا النص بأنه يستبعد الغلط في القانون كسبب لإبطال العقد ) .
ويقابل النص في التقنينات المدنية العربية الأخرى :
التقنين المدني السوري م 524 ( مطابق ) .
التقنين المدني الليبي م 554 : لا يجوز الطعن في الصلح بسبب غلط القانون . 2 – ويكون باطلا الصلح الذي تم على أساس وثائق تبين فيما بعد إنها مزورة ، وكذلك الصلح الذي انصب على خصومة تم الفصل فيها بحكم واجب التنفيذ وجهل ذلك أحد المتعاقدين . ( وأحكام التقنين الليبي تتفق مع أحكام التقنين المصري ) .
التقنين المدني العراقي لا مقابل – فيبدو أنه يجوز الطعن في الصلح لغلط في القانون كما يجوز الطعن فيه لغلط في الواقع . ولكن الأستاذ حسن الذنون ( فقرة 268 ) يذهب إلى أن الأصل في التقنين العراقي أنه لا يجوز الطعن في العقد لغلط في القانون ، ويدخل الصلح في هذه القاعدة العامة .
تقنين الموجبات والعقود اللبناني م 1048 : لا يجوز الطعن في المصالحة بسبب غلط قانونين أو بسبب الغبن . ( وأحكام التقنين اللبناني تتفق مع أحكام التقنين المصري ) .
( [2] )     وقد قضت محكمة الاستئناف المختلطة بأنه لا يجوز للمتصالح أن يطعن في الصلح بغلط في القانون وقع فيه شأن مقاصة ، ولو كان هذا الغلط هو الدافع له على الصلح ( استئناف مختلط 13 مايو سنة 1930 م 42 ص 495 ) .
( [3] )     مجموعة الأعمال التحضيرية ج 4 ص 461 .
( [4] )     بون 2 فقرة 681 – لوران 28 فقرة 405 – جيورا فقرة 134 – بودري وفال 24 فقرة 1257 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 3231 .
( [5] )     بيدان فقرة 365 – ميرل فقرة 146 – جوسران 2 فقرة 1456 – بلانيول وريبير وسافاتييه 11 فقرة 1600 .
( [6] )     وفي الأعمال التحضيرية للتقنين المدني الفرنسي قيل إن الغلط في القانون لا يجعل العقد قابلا للإبطال في الصلح وفي غيره من العقود ( فينيه 15 ص 108 ) ، وهذا خطأ ظاهر فإن الغلط في القانون يجعل في الأصل العقد قابلا للإبطال كالغلط في الواقع . وهناك تعليلات أخرى في الفقه التقليدي . منها أن لا يجوز إبطال الصلح لغلط في القانون بموجب حكم في الوقت الذي أريد فيه بالصلح أن يقوم مقام الحكم ( لا رومبيير م 1110 فقرة 26 ) . ومنها أنه أريد بالصلح حسم النزاع ، فلو أجزنا إبطاله لغلط في القانون وهو أمر خفي ، لا نفتح الباب واسعاً للنزاع وهو ما أريد بالصلح أن يحسمه ، ولكن يرد على هذه التعليلات بأنها لو كانت كافية ، لوجب أن يغلق الباب دون الطعن في الصلح بأي غلط ، في القانون أو في الواقع ، وبأي وجه من وجوه البطلان الأخرى ( بودري وفال 24 فقرة 1257 ) .
( [7] )     أوبرى ورو وإسمان 6 فقرة 422 ص 264 هامش 1 - 3 – بواييه في الصلح ص 71 – انسيكلوبيدي داللوز 5 لفظ transaction فقرة 161 - الأستاذ أكثم الخولي فقرة 11 ص 23 .
( [8] )     نقض فرنسي 19 ديسمبر سنة 1865 داللوز 1866 – 1 – 182 .
( [9] )     نقض فرنسي 25 أكتوبر سنة 1892 داللوز 1893 – 1 – 17 .
( [10] )    بلانيول وريبير وسافاتييه 11 فقرة 1600 - الأستاذ أكثم الخولي فقرة 12 – ويذهب بعض الفقهاء ، في سبيل الامعان من التضييق في هذا الاستثناء ، إلى أن الغلط في القانون إذا كان لا ينصب على ذات النزاع كما تصوره الطرفان ، فلا محل لحرمان من وقع فيه من التمسك به لإبطال الصلح . فإذا تنازع الواهب مع الموهوب له في جواز رجوع الواهب في هبته ، وحسما النزاع بالصلح ، ثم تبين أن الهبة باطلة لأنها هبة مكشوفة لم يحكم سترها بعقد آخر ، فالغلط في القانون هنا يكون سبباً في إبطال الصلح لأن هذا الصلح لم يحسم نزاعاً في هذه المسألة ( بواييه في الصلح ص 72 – ص 73 - الأستاذ محمود جمال الدين زكي فقرة 15 ص 30 – ص 31 - الأستاذ أكثم الخولي فقرة 12 ص 25 ) .
( [11] )    أنظر 535 / 657 من التقنين المدني السابق في نفس الفقرة في الهامش – استئناف مختلط 24 يونيه سنة 1943 م 55 ص 200 .


فصل1
الجزء  5  الباب  4


أركان عقد الصلح           التراضي والمحل والسبب

فرع   1   التراضي في عقد الصلح

مبحث
شروط الانعقاد

مبحث
شروط الصحة

مطلب
الأهلية في عقد الصلح

مطلب
عيوب الرضاء في عقد الصلح

فرع  2  المحل والسبب في عقد الصلح

مبحث
المحل في عقد الصلح

مبحث
السبب في عقد الصلح

فصل2
آثار الصلح

فرع1   حسم النزاع

مبحث
كيف ينحسم النزاع بالصلح

مطلب
انقضاء الحقوق والادعاءات التي نزل عنها كل من الطرفين

مطلب
تفسير التنازل تفسيراً ضيقاً

مبحث
طرق الإلزام بالصلح

مطلب
الدفع بالصلح والشرط الجزائي

مطلب
فسخ الصلح

فرع 2   الأثر الكاشف والأثر النسبي للصلح

مبحث
الأثر الكاشف للصلح

مبحث
الأثر النسبي للصلح

 الجزء  5  الباب  4




مقالات ذات صلة

الغلط في القانون ومدى صحة عقد الصلح
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح