بحث في موسوعة القانون المشارك

الأحد، 20 مايو 2018

تطبيق هام: العقد مع الطبيب والمحامي والمهندس المعماري


العقد مع الطبيب هو عقد مقاولة في الغالب  إذ هو اتفاق بين الطبيب والمريض على أن يقوم الأول بعلاج الثاني في مقابل أجر معلوم ، والعلاج عمل مادى ولا ينفى ماديته أن يكون عملاً عقليًا ، فهو إذن ليس بتصرف قانوني . ومن ثم تتوافر مقومات عقد المقاولة في هذا الاتفاق . وإنما يتميز العقد مع الطبيب عن عقود المقاولة الأخرى بخصائص أهمها
ونستعرض ، تطبيقًا لما تقدم ، العقد مع الطبيب ، ومع المحامي ، ومع المهندس المعماري .
فالعقد مع الطبيب هو عقد مقاولة في الغالب ([1] ) إذ هو اتفاق بين الطبيب والمريض على أن يقوم الأول بعلاج الثاني في مقابل أجر معلوم ، والعلاج عمل مادى ولا ينفى ماديته أن يكون عملاً عقليًا ، فهو إذن ليس بتصرف قانوني . ومن ثم تتوافر مقومات عقد المقاولة في هذا الاتفاق . وإنما يتميز العقد مع الطبيب عن عقود المقاولة الأخرى بخصائص أهمها :


( 1 ) الالتزام الذي يعقده الطبيب هو التزام يبذل عناية لا التزام بتحقيق غاية ، لأنه إنما يتعهد ببذل العناية الواجبة في علاج المريض ولا يتعهد بتحقيق الغاية من العلاج وهو شفاء المريض . وأغلب عقود المقاولة يلتزم فيها المقاول بتحقيق غاية لا يبذل عناية ، كتشييد البناء ووضع التصميم وعمل المقايسة ونحو ذلك .
( 2 ) التعاقد مع الطبيب لوحظت فيه شخصيته ، ومن ثم إذا مات انتهى العقد ، بخلاف موت المقاول في كثير من عقود المقاولة الأخرى فإنه لا ينهى المقاولة . وتنص المادة 666 مدني في هذا الصدد على أن "ينقضي عقد المقاولة بموت المقاول إذا كانت مؤهلاته الشخصية محل اعتبار في التعاقد، فإن لم تكن محل اعتبار فلا ينتهى العقد من تلقاء نفسه" .
ويترتب كذلك على اعتبار شخصية الطبيب أنه لا يجوز له أن يكل علاج المريض لطبيب آخر ، في حين يستطيع المقاول أن يقاول من الباطن .
( 3 ) العقد مع الطبيب غير لازم لا من جهة المريض ولا من جهة الطبيب ، فيستطع المريض أن يرجع فيه ولا يرغم على أن يبقى تحت علاج طبيب لا يريده أو أصبح لا يثق فيه ، وكذلك يستطيع الطبيب أن يرجع في العقد ولا يمكن إكراهه على المضي في علاج لم يعد يرضى الاستمرار فيه . وهذه الخصائص التي تميز العقد مع الطبيب حملت بعض الفقهاء على أن تنكر على هذا العقد أنه عقد مقاولة وتعتبره عقدًا غير مسمى([2])، وأخذت بهذا الرأي محكمة النقض الفرنسية ([3]). على أن ليس في هذه الخصائص شيء يتعارض مع طبيعة عقد المقاولة حتى يخرج العقد مع الطبيب عن هذا النطاق. فعقد المقاولة كما يكوى محله التزامًا بتحقيق غاية ، كذلك يجوز أن يكون محله التزامًا ببذل عناية .
فالأستاذ إذا تعهد بتحضير تلميذه لامتحان معين لقاء أجر معلوم يكون قد أبرم عقد مقاولة ومع ذلك لم يلتزم إلا ببذل عناية ، إذ هو لم يلتزم بتحقيق غاية هي أن ينجح التلميذ في الامتحان ، ويستحق الأستاذ الأجر نجح التلميذ أولم ينجح . والمحامي الذي يترافع عن الخصم إنما يلتزم ببذل عناية ، ويستحق أجره سواء كسب الدعوى أو خسرها . وكذلك الطبيب يستحق أجرا شفى المريض أو لم يشف ، لأن الطبيب لم يلتزم بتحقيق غاية بل التزام ببذل عناية ، ولا يمنع ذلك من أن يكون العقد مقاولة . كذلك لا يكون اعتبار شخصية الطبيب مانعاً من أن يكون التعاقد معه مقاولة، فكثيرًا ما تعتبر شخصية المقاول في عقود المقاولة حتى أن المادة 666 مدنى واجهت هذا الفرض كما رأينا . كذلك نصت المادة 661/1 مدنى على أنه "يجوز للمقاول أن يكل تنفيذ العمل في جملته أو في جزء منه إلى مقاول من الباطن إذا لم يمنعه من ذلك شرط في العقد أولم تكن طبيعة العمل تفترض الاعتماد على كفايته الشخصية" .
بقى أن العقد مع الطبيب غير لازم ، وهذا ايضًا لا يمنع العقد من أن يكون مقاولة . فالمريض في عقده مع الطبيب ، كرب العمل في المقاولة ، يستطيع أن يتحلل من العقد ويقف التنفيذ في أي وقت قبل إتمامه ، على أن يعوض الطبيب عن جميع ما أنفقه من المصروفات وما قام به من علاج . ويختلف عن رب العمل في المقاولة العادية بأنه لا يعوض الطبيب يقوم على الثقة الشخصية ، وفي إجبار المريض على تعويض الطبيب ما كان يستطيع كبه لو أنه أتم العمل تقييد خطير لحريته في الرجوع عن العقد إذا قامت به أسباب جدية تحمله على ذلك ، فوجب أن تكون حريته في الرجوع عن العقد أوسع من حرية رب العمل في التحليل من عقد المقاولة العادي . والطبيب كذلك في عقده مع المريض ، كالمقاول في عقد المقاولة ، له أن يرجع في العقد على أن يكون مسئولاً عن تعويض الضرر الذي يصيب المريض من جراء ذلك . وإذا كان رب العمل في عقد المقاولة العادي يستطيع أن يطلب إنجاز العمل على نفقة المقاول ، فذلك مالا يستطيعه المريض ، وهو حر في أن يذهب إلى طبيب آخر يختاره ، وكل ما يستطيع هو أن يرجع على طبيبه الأول بالتعويض ، إذ لا يستطيع إكراهه على المضي في العلاج إذا لم يرد الطبيب ذلك([4]). ويخلص مما تقدم أن العقد مع الطبيب هو عقد مقاولة ، وهذا هو الرأي الغالب في الفقه ([5]).

أما العقد مع المحامي فيقع على خليط من الأعمال المادية والتصرفات القانونية .

فالمحامي يقوم بعمل مادي عندما يقدم المشورة القانونية لعملية خارج مجلس القضاء ، أو عندما يدافع عن مصالحة في مجس القضاء بالمرافعة الشفوية والمذاكرات المكتوبة ، وعندما يحرر له العقود والمستندات . وهو في هذه الأعمال يعتبر مقاولا وتسرى عليه أحكام المقاولة ([6])، مالم يكن خاضعاً لإشراف عميله وإدارته التنظيمية كما لو كان محاميًا لدى شركة أو مؤسسة فيكون العقد الذي ينظم علاقته بالشركة أو المؤسسة هو عقد عمل ([7]).
والمحامي يقوم بتصرفات قانونية نيابة عن عملية عندما يرفع الدعوى باسم هذا العميل ، وعندما يقدم طلبات العميل ودفوعه في الدعوى ، وعندما يطعن باسم العميل ، وعندما يقدم طلبات العميل ودفوعه في الدعوى ، وعندما يطعن باسم العميل في الأحكام التي تصدر ، وعندما يبرم اتفاقًا مع خصم عميله كما إذا عقد معه صلحًا ، وعندما يصدر منه نيابة عن عميلة إقرار أو تنازل أو يوجه يمينًا حاسمة أو يرد هذه اليمين . وهو في هذه التصرفات القانونية يعتبر وكيلًا عن عميله ، وتسرى عليه أحكام الوكالة . فإذا تعارضت أحكام الوكالة مع أحكام المقاولة ولم يمكن التوفيق يبنهما ، وجب ترجيح العنصر الغالب في أعمال المحامي وهو عنصر الوكالة ([8]) وإعمال أحكام الوكالة دون أحكام المقاولة . فأجر المحامي عن أعماله المادية والقانونية مثلاً يكون خاضعاً لتقدير القاضي كما تقضى أحكام الوكالة ( م 709/2 مدنى ) .

المهندس المعماري

وعلى العكس من ذلك العقد مع المهندس المعماري ، فإن هذا العقد يقع هو أيضًا على خليط من الأعمال المادية والتصرفات القانونية فيجمع بين أحكام المقاولة وأحكام الوكالة([9])، ولكن عنصر المقاولة هو الغالب ، فإذا تعارضت الأحكام وجب تطبيق أحكام المقاولة . ومن ثم لا يكون أجر المهندس المعماري خاضعًا لتقدير القاضي ([10]) . وأهم الأعمال المادية التي يقوم بها المهندس المعماري هي وضع التصميم والرسوم ، وعمل المقايسات ، والإشراف على التنفيذ . وقد يقوم ببعض التصرفات القانونية ، كمحاسبة المقاول وإقرار الحساب ، ودفع ما يستحقه المقاول في ذمة رب العمل ، وتسلم العمل من المقاول على أجزاء أو جملة واحدة بعد إنجازه . ويكون في هذه التصرفات القانونية نائبًا عن رب العمل ([11]) ، ومن ثم تسرى أحكام الوكالة كما سبق القول .




تمييز المقاولة عن العقود الأخرى



      (أيضا راجع في عقد الايجار للمؤلف :فقرة تمييز الايجارعن المقاولة جزء 6-مجلد 1 ستفتح في نافذة مستقلة لتسهيل المراجعة)

  • -تطبيق العقد مع الطبيب ، ومع المحامي ، ومع المهندس المعماري  



[1] ^ ويكون عقد عمل إذا كان الطبيب خاضعًا لإشراف عميله من الناحية الإدارية وإن كان مستقلاً من الناحية الفنية . كما إذا كان الطبيب يعمل في مؤسسة أو في مستشفى ، فالاستقلال الفني لا يمنع الخضوع الإداري أو التنظيمي .
[2] ^ جان سافاتييه دراسة في المهنة الحرة رسالة من بواتييه سنة 1947 ص15 – تعليق فالسمينى في داللوز 1927 – 1 – 93 – حسن زكي الأبراشي في مسئولية الأطباء والجراحين المدنية ص98 – إسماعيل غانم في عقد العمل سنة 1961 ص116 هامش1 .

[3] ^ نقض فرنسي 13 يوليه سنة 1937 سيريه 1939 – 1 – 17 مع تعليق بريتون
[4] ^ ويكون عقد عمل إذا كان الطبيب خاضعًا لإشراف عملية من الناحية الإدارية وإن كان مستقلا من الناحية الفنية . كما إذا كان الطبيب يعمل في مؤسسة أو في مستشفى ، فالاستقلال الفني لا يمنع الخضوع الإداري أو التنظيمي .

[5] ^ بيدان 12 فقرة 176 ص191 – بلانيول وريبير ورواست 11 فقرة 777ص21 وفقرة 909 ص143 – بودرى وفال في الوكالة فقرة 377 ص187 –ص188 – دي باج 4 فقرة 847 ص863 وفقرة 849 ص869 – كولان وكابيتان وديلامورانديير 2 فقرة 1085 – جوسران 2 فقرة 1287 ص675 – تعليق بريتون على حكم محكمة النقض الفرنسية في 13 يويه سنة 1937 سيريه 1939 – 1 – 217 –محمد كامل مرسى فقرة 570 ص 476 – أكثم أمين الخولي في عقد العمل فقرة 88 ص140 – محمد لبيب شنب فقرة 28 – فقرة 34 – وانظر مصر ؟؟؟ الجزية 5 مايو سنة 1937 جازيت 29 رقم 428 ص346 .

[6] ^ بلانيول وريبير ورواست 11 فقرة 909 ص143 – بيدان 12 فقرة 176 ص191 – كولان وكايبتان ودي لامور انداير 2 فقرة 1085 – مازوفي دروس القانون المدني 3فقرة 134 ص1102 – كرمييه في مهنة المحاماة سنة 1953 فقرة 102 ص106 – محمد لبيب شنب فقرة 35 – فقرة 36 – نقض فرني 19 ديسمبر نة 1901 سيريه 190 – 1 – 372 – إكس 14 يونيه سنة 1905 داللوز 1911 – 2 – 185 – باريس 19يناير سنة 1953 جازيت دي باليه 1953 – 1 – 99 – السين 6 مايو سنة 1942 جازيت دي باليه 1942 – 2 – 35 .
ومن الفقهاء ن يعتر العقد هنا عقدًا غير مسمى : جان سافاتييه في رسالته في المهنة الحرة ص213 – ص215 – إسماعيل غانم في عقد العمل ص 116 هامش 1 .

[7] ^ محمد لبيب شنب فقرة 36 – ويكون العقد عقد عمل حتى لو لم يكن المحامي متفرغاً لأعمال المؤسسة أو الشركة ( محمد لبيب شنب فقرة 36 – استئناف مصر 24 مايو سنة 1958 المدونة العمالية الدورية مجموعة سنة 1960 رقم 24 ص50 ) .

[8] ^ وكثيرًا ما يخلع المشرع على المحامي صفة الوكيل ، وعلى عملية صفة الموكل ، وعلى العلاقة فيما بينهما صفة الوكالة أو التوكيل ( انظر قانون المحاماة رقم 96 لسنة 1957 المواد 27و 29و 33و 40و 41 – تقنين المرافعات المواد 81 - 89 ) .

[9]  ^ بلانيول وريبير ورواست 11 فقرة 910 ص144 – بيدان 12فقرة 178 – أوبرى ورو وإسمان 6 فقرة 374 هامش 1 ( 3 ) وهامش 41 ( 3 ) – أنسيكلوبيدي داللوز 3 لفظ Louage d'ouv . Et d'ind فقرة 62 – فقرة 63 – محمد لبيب شنب فقرة 25 – فقرة 27 – ويذهب بعض الققهاء إلى أن العقد مقاولة لا وكالة ( بودرى وفال 2فقرة 3869 – جلاسون في تعليقه في داللوز 1906 – 1 – 9 – ديموج في الجلة الفصلية للقانون المدني سنة 1912 ص198 – Fraissaingea في مسئوية المهندس المعماري فقرة 23 Corberand في مسئولية المهندس المعماري رسالة من باريس سنة 1929 – محمد لبيب شب فقرة 25 – فقرة 27 – وانظر في هذا المعنى نقض فرنسى 25 مارس سنة 1874 داللوز 74 – 1 – 285 – 16 مايو سنة 1904 داللوز 1905 – 1 – 532 – مصر الكلية 7 يناير سنة 1957قضية رقم 155 سنة 1956 ومشار إلى الحكم في إسماعيل غانم في عقد العمل 116 هامش1 ) – ويذهب القضاء الفرنسي في بعض أحكامه إلى اعتبار العقد وكالة ( نقض فرنسي 11 نوفمبر سنة 1885 داللوز 86 – 1 – 39 – 10 يونيه سنة 1898 داللوز 98 – 1 – 367 – 3 نوفمبر سنة 1926 داللوز 1927 – 1 – 77 – 19يونيه سنة 1929 داللوز 1930 – 1 – 169 – باريس 15 يناير سنة 1904 – 2 – 71 – السين 16 ديسمبر سنة 1924 داللوز 1926 – 2 - 157 ) .
[10] ^ ) وإذا تعدد أرباب العمل أو تعدد المهندسون المعماريون فلا يكونون متضامنين ، وذلك تطبيقًا لأحكام المقاولة لا لأحكام الوكالة ( محمد لبيب شنب فقرة 37 ) .


[11] ^ ولا تفترض الوكالة في أعمال المهندس المعماري ، فما لم يكن قد تلقى تفويضًا من ب العمل في عمل معين فإنه لا يكون وكيلًا له فيه ، ومن ثم إذا وفي المهندس المعماري المقاول مبلغًا من النقود دون أن يكون مفوضًا في ذلك من رب العمل فإنه لا يلزم رب العمل بهذا الوفاء ( بلانيول وريبير ورواست 1فقرة 910 ص144 – أنسيكلوبيدي دالوز 3 لفظ Louage d'ouv . Et d'ind, فقرة 12 – محمد كامل مرسى فقرة 571 ص477 – نقض فرني 3 نوفمبر سنة 1926 داللوز 1927 – 1 – 77 – 20يوليه سنة 1927 داللوز الأسبوعي 1927 – 415 – 19ديسمبر سنة 1928 جازيت دي باليه 5فبراير سنة 1929 ) .


مقالات ذات صلة

تطبيق هام: العقد مع الطبيب والمحامي والمهندس المعماري
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح