بحث في موسوعة القانون المشارك

الأحد، 20 مايو 2018

تمييز المقاولة عن الوكالة


5-تمييز المقاولة عن الوكالة:
تتفق المقاولة والوكالة في أن كلا منهما عقد يرد على العمل ، وهذا العمل يؤديه المقاول أو الوكيل لمصلحة الغير ولكنهما يختلفان في أن العمل في عقد المقاولة هو عمل مادي ( acte matériel ) ، أما العمل ي عقد الوكالة في تصرف قانوني ( acte juridique ) . ويستتبع ذلك أن المقاول وهو يؤدي العمل المادي لمصلحة رب العمل لا ينوب عنه وإنما يعمل استقلالا ، أما الوكيل وهو يقوم بالتصرف القانوني لمصلحة موكله يكون نائبًا عنه ويمثله في التصرف الذي يقوم به فينصرف أثر هذا التصرف إلى الموكل .



وللتمييز بين المقاولة والوكالة أهمية عملية تظهر فيما يأتي :

( 1 ) المقاولة تكون دائمًا مأجورة ، ومتى عين الأجر لا يملك القاضي كقاعدة عامة تعديله . أما الوكالة فقد تكون مأجورة أو غير مأجورة ، والأصل  فيها أن تكون بغير أجر إلا إذا وجد اتفاق صريح او ضمني يقضي بأن يكون للوكيل أجر ، وغذا كانت الوكالة مأجورة كان الأجر خاضعًا لتقدير القاضي ( م709 مدني ) .
( 2 ) لما كان المقاول يعمل مستقلا عن رب العمل ، فهو لا يخضع لإشرافه ولا يكون تابعًا له ، ومن ثم لا يكون رب العمل مسئولا عن المقاول مسئولية المتبوع عن التابع . أما الوكيل فيعمل ي كثير من الأحيان بإشراف الموكل ، وفي هذه الحالة يكون تابعًا له ويكون الموكل مسولا عنه مسئولية المتبوع عن التابع .
( 3 ) لما كان المقاول لا ينوب عن رب العمل ، فإن التصرفات التي يجريها لا ينصرف أثرها غلى رب العمل ، وغذا كان هذا الأخير مسئولا مباشرة نحو من يتعاقد معهم المقاول من عمال ومقاولين من الباطن فإن هذه المسئولية لا تجاوز القدر الذي يكون رب العمل مدينًا به للمقاول الأصلي وقت رفع الدعوى ( م 662مدني ) . أما الوكيل فلأنه ينوب عن الموكل ، فإنه يلزمه بتصرفاته ، وينصرف أثر هذه التصرفات مباشرة إلى الموكل ، ولا شيء منها ينصرف إلى الوكيل .
( 4 ) المقاول مضارب ، وهو معرض للمكسب والخسارة ، وغذا أصيب بضرر بسبب تنفيذ العمل فلا شأن لرب العمل بذلك ، ويتحمل المقاول وحده هذا الضرر . أما الوكيل فإنه لا يضارب ولا يعرض نفسه لمكسب أو خسارة ، فهو إما أن يقوم بعمله تبرعًا وإما أن يأخذ أجرًا مناسباً للعمل ، وإذا أصيب بضرر بسبب تنفيذ الوكالة فقد قضت المادة 711 مدني بأن "يكون الموكل مسئولا عما أصاب الوكيل من ضرر دون خطأ منه بسبب تنفيذ الوكالة تنفيذًا معتادًا"([1]).
( 5 ) المقاولة في الأصل عقد لازم ، أما الوكالة فهي في الأصل عقد غير لازم ويجوز عزل الوكيل أو تنحيه في أي وقت .
( 6 ) لا تنتهي المقاولة بموت رب العمل أو بموت المقاول غلا إذا كانت شخصيته محل اعتبار ، وتنتهي الوكالة بموت الموكل أو بموت الوكيل([2]).
وقد تلتبس المقاولة بالوكالة ، وبخاصة في العقود التي تبرم مع أصحاب المهن الحرة ، كالطبيب والمحامي والأستاذ والمحاسب والمهندس . وقد جرى القضاء الفرني منذ عهد بعيد على اعتبار هذه العقود عقود وكالة ، لا عقود مقاولة أو عقود عمل . ذلك أن المقاولة وعقد العمل يوصفان في القانون الفرنسي كما قدمنا بأنهما عقدًا إيجار للعمل ، فأراد القضاء الفرنسي أن يرتفع بأصحاب هذه المهن الحرة عن أن يكونوا أجراء لأصحاب العمل ، وأراد أن يجعلهم وكلاء عنهم فيكون العقد الذي يربط صاحب المهنة الحرة برب العمل عقد وكالة لا عقد مقاولة ([3]). 
ولكن هذه النظرة خاطئة ، فالأعمال التي يقوم بها أصحاب هذه المهن الحرة هي أعمال مادية في مجموعها لا تصرفات قانونية ، إذ أن علاج الطبيب للمريض ودفاع المحامي عن الخصم وتعليم الأستاذ تلاميذه ووضع المهندس المعماري للتصميمات والرسوم والمقايسات ، وكل هذه أعمال مادية ، وإذا تميزت بشيء فإنما تتميز بأن ناحية الفكر فيها متغلبة . ولكن هذا لا يمنع من أن تكون أعمالا مادية لا تصرفات قانونية ، وأن أصحابها إذ يقومون بها لمصلحة الغير إنما يربطهم بالغير عقد مقاولة أو عقد عمل لا عقد وكالة . ولا يحط من مقام أصحاب هذه المهن الحرة أن يكونوا مأجورين ، لا سيما بعد أن تميز عقد المقاولة وعقد العمل عن عقد الإيجار بتسميتين خاصتين بهما ، فلم يعودا عقدي إيجار للعمل كما كان يطلق عليهما في الماضي . وقد يدخل في عمل صاحب المهنة الحرة ، لا سيما المحامي والمهندس المعماري ، بعض تصرفات قانونية ، فيكون العقد وكالة فيما يتعلق بهذه التصرفات ومقاولة فيما يتعلق بالأعمال المادية . وإذا تعذر تطبيق أحكام الوكالة وأحكام المقاولة في وقت معًا ، نظر إلى العنصر الغالب ، فقد يكون عنصر الأعمال المادية فتطبق أحكام المقاولة ، أو يكون عنصر التصرفات القانونية فتطبق أحكام الوكالة .

ونستعرض ، تطبيقًا لما تقدم ، العقد مع الطبيب ، ومع المحامي ، ومع المهندس المعماري .


اضغط للانضمام الى منتدى تكريم السنهوري



تمييز المقاولة عن العقود الأخرى







[1] ^ ويترتب على ذلك أن المقاول يتحمل تبعة استحالة تنفيذ العمل بسبب أجنبي ، وغذا هلك الشيء بسبب حادث مفاجئ قبل تسليمه لرب العمل فليس للمقاول أن يطالب لا بثمن عمله ولا برد نفقاته ، ويكون هلاك المادة عليه إذا كان هو الذي وردها ( م 665/1 مدني ) . أما الوكيل فلا يتحمل هذه التبعة ، وعلى الموكل أن يرد إليه ما أنفقه في تنفيذ الوكالة التنفيذ المعتاد مع الفوائد من وقت الإنفاق وأن يعطيه الأجر الذي يستحقه مهما كان حظ الوكيل من النجاح في تنفيذ الوكالة ، حتى لو لم يحقق الغرض المقصود منها ( م 710 مدني ) .
[2] ^ انظر في هذه الفروق بلانيول وريبير ورواست 1 فقرة 111 – ويضيفون الفرق الآتي : المقاولة تضفى على المقاول صفة التاجر ، أما الوكالة فلا تضفى هذه الصفة على الوكيل . وهذا يرجع إلى ما قدمناه من أن المقاول مضارب ، والمضاربة من خصائص التجارة .
وهناك فروق أخرى أقل أهمية منها : ( أ ) إذا تعدد الوكلاء فانوا مسئولين بالتضامن ( م707/ 1مدني ) ، أما غذا تعدد المقاولون فلا يكونون مسئولين بالتضامن غلا إذا اتفق على ذلك . ( ب ) إذا تعدد الموكلون كانوا متضامنين قبل الوكيل في تنفيذ الوكالة ( م712 مدني9 ، أما إذا تعدد أرباب العمل فلا يكونون متضامنين قبل المقاول إلا باتفاق خاص . ( جـ ) للموكل ولنائب الوكيل أن يرجع كل منهما مباشرة على الآخر ( م 708/ 3مدني ) ، أما رب العمل والمقاول من الباطن فلا رجوع لأحد منهما مباشرة على الىخر فيما عدا أن المقاول من الباطن له الرجوع مباشرة على رب العمل بمالا يجاوز القدر الذي يكون به رب العمل مدينًا للمقاول الأصلي ( م662/ 1مدني ) – انظر في ذلك بودرى وفال في الوكالة فقرة 400 – كولان وكابيتان ودى لامورانديير 2فقرة 1086 – محمد لبيب شنب فقرة 24 ص32 هامش1 .

[3] ^ ويرجع الأمر في ذلك إلى تقاليد القانون الروماني ، فهذا القانون كان يفرق بين الأعمال اليدوية ويعتبرها أعمالاً حقيرة لا يزاولها غلا الأرقاء أو الأجراء الذين يرتبطون بعقد إجارة الأشخاص مع من يستأجر عملهم ، وبين الأعمال العقلية وهذه لا تكون محلاً لإجارة أشخاص بل محلا للوكالة رفعًا لشأنها ولشأن من يقوم بها عن أن يكون أجيرًا ، وكانت الوكالة في القانون الروماني لا تقتصر على التصرفات القانونية بل تمتد إلى الأعمال المادية . وترتب على ذلك أن صاحب المهنة الحرة في القانون الروماني لم يكن من حقه أن يتقاضى أجرًا ملزمًا ، شأنه في ذلك شأن الوكيل . ولكن القانون الرماني لم يثبت على هذا النهج ، وانتهى الأمر بالتحليل على أحكامه بالتسليم صاحب المهنة الحرة أن يطالب بأتعاب عن عمله عن طريق دعوى غير عادية ( perseentio extraorainario ) لا عن طريق دعوى الوكالة ( جيرار سنة 1924 ص612 وما بعدها ـ مونييه سنة 1948 2 فقرة 31 وما بعدها ص174 ) . وقد تأثر الفقه الفرنسي في نهاية القرن الماضي بالتقاليد الرومانية ، فذهب بعض الفقهاء ( أوبرى ورو الطبعة الخامسة 4 فقرة 371 مكررة ص388 – جيوار 2 فقرة 696 ص260 ) إلى أن الأعمال العقلية من أدبية وفنية وعلمية لا يمكن أن تكون محلاً لتعاقد ملزم ، فلا يكون الطبيب أو المحامي ملزمًا قبل عملية ، كاما لا يجبر العميل على دفع الأجر للطبيب أو المامي ، وذلك حتى لا يوضع العمل العقلي في مستوى العمل اليدوي ولا ينحط العلم ليكون وسيلة للتجارة .
ولكن هذا الرأي يصطدم مع الواقع ، فأصحاب المهن الحرة يعيشون من مهنهم وما يكبون من أجور في ممارستها ، ولا يحط من مكانة صاحب المهنة الحرة أن يؤجر على عمله . وقد اصبح الآن من المسلم أن التعاقد مع صاحب المهنة الحرة تعاقد ملزم للطرفين . وقد كان المشروع التمهيدي للتقنين المدني الجديد يتضمن نصًا صريحاً في هذا المعنى ، فيعتبر التعاقد مع أصحاب المهن الحرة تعاقدًا مرزمًا ويعتبر أصحاب هذه المهن مقاولين ، فكانت المادة 887/ 2 من هذا المشروع تجرى على الوجه الآتي : "وتعتبر دائمًا شخصية المقاول محل اعتبار في التعاقد إذا أبرم العقد مع أحد رجال الفن أو مع أحد المهندسين أو مع أحد مهندسي المعمار أو مع أحد مماثل لهؤلاء من الاشخاص الذين يزالون مهنة حرة" . وتنص المادة 624/ 3 من تقنين الموجبات والعقود اللبناني على ما يأتي : "والعقد الذي بموجبه يلتزم صاحب حرفة أو مهنة حرة تقديم خدماته لمن يتعاقدون معه ، وكذلك العقود التي بموجبها يلتزم الأستاذة القيام بمهنهم لمصلحة معهد أو شخص ما ، تعد من قبيل إجارة الصناعة . ومن هذا القبيل أيضًا عقد النقل" .
( انظر بلانيول وريبير ورواست 11 فقرة 777 وفقرة 909 – بودرى وفال في العقود الاحتمالية فقرة 377 – فقرة 379 – بيدان 12 فقرة 165 – بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 3021 – جان سافاتيبه دراسة في المهنة الحرة  من بواتييه سنة 1947 – وانظر في القضاء الفرنسي نقض فرني 3 مارس سنة 1926 داللوز 1927 – 1 – 93 – 17 – مارس سنة 1937 داللوز الأسبوعي 1937 – 285 – ليون 7 ديمسبر سنة 1909 داللوز 1913 – 2 - 73 ) .



مقالات ذات صلة

تمييز المقاولة عن الوكالة
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح