بحث في موسوعة القانون المشارك

الثلاثاء، 19 يونيو 2018

مبدأ النظام القانوني للإثبات ـ مذاهب ثلاثة

 20 ـ الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية ـ العدالة والاستقرار:

 مبدأ النظام القانوني للإثبات ـ مذاهب ثلاثة
رأينا فيما تقدم أن الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية ، بل قد تتعارض معها . ورأينا أن السبب في ذلك أن الحقيقة القضائية لا تثبت إلا من طريق قضائي رسمه القانون . وقد يكون القاضي من أشد الموقنين بالحقيقة الواقعية ، وقد يعرفها بنفسه معرفة لا يتطرق إليها الشك ، ولكن ينعدم أمامه الطريق القانوني لإثباتها فلا يجد بداً من إهدارها والأخذ بسبل القانون في الإثبات ، ومن ثم قد تتعارض الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية .
والقانون في تمسكه بالحقيقة القضائية دون الحقيقة الواقعية إنما يوازن بين اعتبارين : اعتبار العدالة في ذاتها ويدفعه إلي تلمس الحقيقة الواقعية بكل السبل ومن جميع الوجوه حتي تتفق معها الحقيقة القضائية ، وإعتبار إستقرار التعامل ويدفعه إلي تقييد القاضي في الأدلة التي يأخذ بها وفي تقدير كل دليل فيحدد له طرق الإثبات وقيمة كل طريق منها ، حتي يأمن جوره إذا مال إلي الجور ، أو في القليل حتي يحد من تحكمه ، فلا تختلف القضاة فيما يقبلون من دليل وفي تقدير قيم الأدلة في الأقضية المتماثلة .

21 ـ مذاهب ثلاثة في الاثبات :

ويمكن في الموازنة ما بين الاعتبارين اللذين تقدم ذكرهما ـ اعتبار العدالة واعتبار استقرار التعامل ـ أن نتصور قيام مذاهب ثلاثة في الإثبات :
(1) مذهب يميل إلي اعتبار العدالة ولو بالتضحية في استقرار التعامل ، وهذا هو المذهب الحر أو المطلق (système libre) .
(2) ومذهب يستمسك باستقرار التعامل ولو علي حساب العدالة، فيقيد القانون الإثبات أشد التقييد حتي يستقر التعامل ، وهذا هو المذهب القانوني أو المذهب المقيد (système légal) .
(3) ومذهب ثالث هو بين بين ، يزن ما بين الاعتبارين ، فيعتد بكل منهما ، ولا يضحي أحدهما لحساب الآخر ، وهذا هو المذهب المختلط (système mixte) .

22 ـ المذهب الحر أو المطلق :

أما المذهب الحر أو المطلق ففيه ، كما قدمنا ، لا يرسم القانون طرقاً محددة للإثبات يقيد بها القاضي ، بل يترك الخصوم أحراراً يقدمون الأدلة التي يستطيعون إقناع القاضي بها ، ويترك القاضي حراً في تكوين اعتقاده من أي دليل يقدم إليه . وهذا المذهب يقرب كثيراً ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية لمصلحة العدالة . وقد اعتنقته بعض الشرائع في بدء تطورها ، واعتنقه بعض رجال الفقه الإسلامي([1]) ، ولا تزال الشرائع الجرمانية والشرائع الأنجلو سكسونية ( القانون الألماني والقانون السويسري والقانون الإنجليزي والقانون الأمريكي ) تأخذ به إلي حد كبير .
ولكن حظ العدالة في هذا المذهب ظاهري أكثر منه حقيقياً . فهو قد يقرب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية إلي مدي واسع ، ولكن بشرط أن يؤمن من القاضي الجور والتحكم . فاذا جار القاضي أو تحكم في تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمها ، ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية أكثر من ابتعادها في المذهب القانوني أو المقيد ز وننتقل الآن إلي هذا المذهب .

23 ـ المذهب القانوني أو المقيد :

 ففي المذهب القانوني أو المقيد يرسم القانون طرقاً محددة تحديداً دقيقاً لإثبات المصادر المختلفة للروابط القانونية ، ويجعل لكل طريق قيمته ، ويتقيد بكل ذلك الخصوم والقاضي . (( وهذا المذهب ـ كما جاء في الموجز([2]) ـ علي ما فيه من دقة حسابية تكفل ثبات التعامل ، يباعد ما بين الحقائق الواقعة والحقائق القضائية ، فقد تكون الحقيقة الواقعة ملء السمع والبصر ، ولكنها لا تصبح حقيقة قضائية إلا إذا استطيع إثباتها بالطرق التي حددها القانون )) . وقد تغلب في الفقه الإسلامي المذهب القانوني في الإثبات . فيجب في الإثبات بالبينة شهادة شاهدين ، ولا يكتفي بشاهد واحد إلا في حالات استثنائية([3]) ، وإذا توافر نصاب الشهادة وجب الأخذ بها دون أن يكون للقاضي حرية في التقدير ، ويتفاوت نصاب الشهادة من واقعة إلي أخري في حدود مقدرة تقديراً يكاد يكون حسابياً([4]) .

24 ـ المذهب المختلط :

والمذهب المختلط يجمع بين الإثبات المطلق والاثبات المقيد. ((وأشد ما يكون إطلاقاً ـ كما جاء في الموجز ([5]) ـ في المسائل الجنائية، ففيها يكون الاثبات حراً يتلمس القاضي وسائل الاقناع فيه من أي دليل يقدم إليه ، شهادة كانت أو قرينة أو كتابة أو أي دليل آخر . ثم يتقيد الاثبات بعض التقيد في المسائل التجارية مع بقائه حراً في الأصل . ويتقيد بعد ذلك إلي حد كبير في المسائل المدنية فلا يسمح فيها إلا بطرق محددة للإثبات تضيق وتتسع متمشية في ذلك مع الملابسات والظروف . وهذا المذهب الثالث هو خير المذاهب جميعاً ، فهو يجمع بين ثبات التعامل بما احتوي عليه من قيود ، وبين اقتراب الحقيقة الواقعة من الحقيقة القضائية بما أفسخ فيه للقاضي من حرية التقدير . وقد أخذ القانون المصري بهذا المذهب مقتفياً في ذلك أثر  الشرائع اللاتينية كالقانون الفرنسي والقانون الإيطالي والقانون البلجيكي )) .

ويلاحظ علي هذا المذهب أمران :

(1) أن اقتراب الحقيقة القضائية من الحقيقة الواقعية فيه لا يصل إلي حد يجعل للأدلة قوة قطعية، فلا تزال للأدلة فيه حجة ظنية ، ولا تزال الحقيقة القضائية هي مجرد احتمال راجح idée de probabilité  وليست حقيقة قاطعة . ولابد من الناحية العملية الاكتفاء بالحجج الظنية ما دامت راجحة، لأن اشتراط الحجج القاطعة يجعل باب الاثبات مقفلا أمام القاضي.
(2) أن المذهب المختلط يتفاوت في نظام قانوني عنه في نظام آخر ، فهو يضع من القيود علي حرية القاضي في تلمس الدليل قليلا أو كثيراً علي قدر متفاوت يختلف باختلاف النظم القانونية . فمن النظم ما تقلل من هذه القيود حتي يشتد التقارب ما بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية فيرجح حظ العدالة، ومنها ما يزيد في القيود ولو ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية حتي يستقر التعامل . وخير هذه النظم ما وازن بين الاعتبارين في كفتي الميزان ، حتي لا ترجح كفة وتشيل أخري .

التالي:مبدأ حياد القاضي.

  1. حق الخصم في الاثبات
  2. حق الخصم الآخر في إثبات العكس
  3. لا يجوز لأي خصم أن يصطنع دليلا لنفسه 
  4. لا يجوز اجبار الخصم على تقديم دليل ضد نفسه الا في حالات معينة


السابق: المباديء الرئيسية التي تقوم عليها قواعد الاثبات






[1] ^ وقد ثار ابن القيم الجوزية على تحديد الفقهاء للأدلة فى الإثبات جامداً وتقيدهم بشهادة الشهود وأخذهم بها دون القرائن والأدلة الأخرى ، ونادى بوجوب ترك الإثبات حراً ، (( فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأى طريق كان فثم شرع الله )) . قال فى أعلام الموقعين : (( إن الشارع فى جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التى هى أدلة عليه وشواهد له ، ولا يرد حقاً متى ظهر بدليله أبداً ، فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها ، ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة فى تخصيصه مع مساواة غيره له فى ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه ، كترجيح شاهد الحال على مجرد البينة فى صورة من على رأسه عمامة وبيده عمامه وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو أثرهولا عادة له بكشف راسه ، فبينة الحال ودلالته هنا تفيد ظهور صدق المدعى أضعاف ما يفيد مجرد البينة عند كل أحد . فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة ، ويضيع حقاً يعلم كل أحد ظهوره وحرمته . بل لما ظن هذا من ظنه ضيعوا طريق الحكم ، فضاع كثير من الحقوق لتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين ، وصار الظالم الفاجر ممكناً من ظلمه وفجوره : فيفعل ما يريد ويقول يقوم على بذلك شاهدان أثنان ، فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده )) . ثم قال فى الطرق الحكمية (( فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأى طريق كان ، فثم شرع الله ودينه ، والله سبحانه علم  وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشئ ثم ينفى ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين اشارة ، فلا يجعله منها ، ولا يحكم عند وجودها بموجبها ، بل قد بين سبحانه وتعالى بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده ، وقيام الناس بالقسط ، فأى طريق ستخرج بها العدل والقسط فهى من الدين ليست بمخالفة له )) .

[2] ^ الموجز للمؤلف ص 647 .

[3] ^ وكذلك كان الأمر فى الصدر الأول من القانون الفرنسى القديم ، فكان شهادة الواحد لا تصلح testis unus. Testis nullus ـ انظر بلانيول وريبير وبولانجيه 2 فقرة 2192 .

[4] ^  انظر القوانين الفقهية لابن جزي ص 309 ـ ص 310 .
[5] ^  الموجز للمؤلف ص 647

مقالات ذات صلة

مبدأ النظام القانوني للإثبات ـ مذاهب ثلاثة
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

1 التعليقات:

الأربعاء، 7 أبريل 2021 في 3:14:00 م غرينتش+2 حذف

ماهي السسلطات التي منحها المشرع للقاضي المدني والتي تجنبه موقف الحياد المطلق وتجعله يساهم في الاثبات واتخاد إجراءات التحقيق للكشف عن الحقيقة والمساهمة في تحقيق العدالة

رد
avatar

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح