بحث في موسوعة القانون المشارك

الثلاثاء، 10 يوليو 2018

الحق والرخصة في الفقه الغربي -منزلة وسطى يعرفها الفقه الإسلامي

الحق والرخصة في الفقه الغربي -منزلة وسطى
  سبق أن عرفنا الحق بأنه مصلحة ذات قيمةمالية يحميها القانون. وقبل أن ننتقل إلى تقسيم الحق إلى شخصي وعيني، نشير إلى الفرق بين الحق والرخصة.
  فالحق هو ما عرفناه. أما الرخصة فهي مكنة واقعية لاستعمال حرية من الحريات العامة ، أو هي إباحة يسمح بها القانون في شأن حرية من الحريات العامة. ذلك أن الشخص، في حدود القانون، له حرية العمل والتنقل والتعاقد والتملك وغير ذلك من الحريات العامة . فإذا وقفنا عند واحدة من هذه الحريات ، حرية التملك مثلا، أمكن أن نقول، في سبيل المقابلة ما بين الحق والرخصة، إن حرية التملك رخصة أما الملكية فحق.
   وما بين الرخصة والحق توجد منزلة وسطى، هي أعلى من الرخصة وأدنى من الحق. 

الحق والرخصة في الفقه الغربي -منزلة وسطى يعرفها الفقه الإسلامي




ونستبقي مثلنا السابق وهو حرية التملك. فحق التملك وحق الملك، الأول رخصة والثاني حق. وما بينهما منزلة وسطى هي حق الشخص في أن يتملك. فلو أن شخصا رأى داراً أعجبته ورغب في شرائها ، فهو قبل أن يصدر له إيجاب البائع بالبيع، كان له حق التملك عامة في الدار وفي غيرها، فهذه رخصة. وبعد أن يصدر منه قبول بشراء الدار صارت له ملكية الدار وهذا حق ولكنه قبل القبول وبعد الإيجاب في منزلة وسطى بين الرخصة والحق بالنسبة إلى الدار . فهو من جهة ليس له فحسب مجرد رخصة في تملك الدار كغيرها من الأعيان التي لا يملكها، وهو من جهة أخرى لم يبلغ أن يصبح صاحب الملك في الدار . بل هو بين بين. له أكثر من رخصة التملك وأقل من حق الملك : له الحق في أن يتملك. إذ يستطيع بقبوله البيع، أي بإرادته وحده، أن يصبح مالك للدار .
   ولم يصل الفقه الغربي إلى تبين هذه المنزلة الوسطى إلا حيث ارتقي ووصل في الرقي إلى مرحلة بعيدة. نرى ذلك في الفقه الجرماني الحديث.
 ويدعو الفقيه فون تور (Von Tuhr)(هامش[1]) هذه المنزلة الوسطى بالحق المنشيء»
(droit formateur)، ويعرفه بأنه «مكنة تعطى للشخص بسبب مرکز قانوني خاص في أن يحدث أثراً قانونياً بمحض إرادته» (هامش[2]) . ويأتي بأمثلة لهذا الحق المنشيء
يذكر منها: حق من وجه إليه الإيجاب، وحق المسترد في أن يسترد الحصة المبيعة، وحق البائع وفاء في أن يسترد المبيع، وحق الشفيع في أن يأخذ بالشفعة.



هذه المنزلة الوسطى يعرفها الفقه الإسلامي:


 نبه إلى وجود هذه المنزلة الوسطى في الفقه الإسلامي الأستاذ شفیق شحاتة في كتابه في «النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية»(هامش [3])، إذ يستعرض المقبوض في الدين المشترك . وهو الدين الذي يملكه أكثر من دائن واحد فإذا قبض أحد الدائنين شيئا منه. كان للباقي حق في المقبوض هو هذه المنزلة الوسطى. ويقول في هذا الصدد : « المقبوض هو إذن ملك القابض خاصة، على أن للدائن الشريك حقا ثابتة في الشيء المقبوض. وبموجب هذا الحق يستحق هذا الدائن الشريك بعضا مما قبض القابض ولو أنه لا يستطيع تتبع المقبوض بين يدي الغير .. هذا الحق هو إذن حق شبه عيني . فصاحبه ليس له حق ملكية، بل حق في أن يتملك. ولهذا الحق نظائر في الشرع».
وإذا كنا لا نشارك الأستاذ شفیق شحاتة في تكييف هذا الحق بأنه «شبه عيني». ونرى أنه ليس حقا بل هو منزلة وسطى بين الحق والرخصة كما أسلفنا القول. إلا أننا نتفق معه فيما ذهب إليه من أن للدائن الشريك حقا ما في الشيء المقبوض. ليس مجرد رخصة وليس حق ملك كامل، ولكنه حق في أن يتملك نصيبه في الشيء المقبوض إذا هو أعلن إرادته في ذلك. وقد وجد الأستاذ شفیق شحاتة  نظائر لهذا الحق في الشرع الإسلامي. من ذلك حق المجني عليه في العبد الجاني، فإنه بدفع العبد يصبح مملوكاً للمجني عليه، على أنه إذا تصرف المولى في العبد قبل الدفع ينقلب حق المجني عليه إلى مجرد تعويض. ومن ذلك أيضا من وقع في سهمه عبد قد أسره المشركون من رجل من المسلمين كان ملكا له، فلمولاه الأول أخذه بالقيمة، فإن تصرف فيه الذي وقع في قسمه جاز تصرفه ولم يكن للمولی فسخه .
   ومما يقطع في وجود هذه المنزلة الوسطى في الفقه الإسلامي أن القرافي في « الفروق » ، يقابل، في عبارات صريحة، ما بينها وبين الرخصة، فيقول عن صاحب الرخصة « من ملك أن يملك » وعن صاحب المنزلة الوسطى « من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك»، وينكر على الأول أن يكون مالكا إطلاقا ويجعل الثاني محلا للنظر. وننقل ما يقوله في هذا الصدد:
   « اعلم أن جماعة من مشايخ المذهب رضي الله عنهم أطلقوا عباراتهم بقولهم من ملك أن يملك هل يعد مالكا أم لا، قولان... وليس الأمر كذلك بل هذه القاعدة باطلة... وبيان بطلانها أن الإنسان يملك أن يملك أربعين شاة ، فهل يتخيل أحد أنه بعد مالكاً الآن قبل شرائها حتى تجب الزكاة عليه على أحد القولين؟ وإذا كان الآن قادرة على أن يتزوج، فهل يجري في وجوب الصداق والنفقة عليه قولان قبل أن يخطب المرأة لأنه ملك أن يملك عصمتها! والإنسان مالك أن يملك خادمة أو دابة ، فهل يقول أحد إنه يعد الآن مالكاً لهما فيجب عليه كلفتهما ومؤونتهما على قول من الأقوال الشاذة أو الجادة ! بل هذا لا يتخيله من عنده أدنى مسكة من العقل والفقه. وكذلك الإنسان يملك أن يشتري أقاربه. فهل يعده أحد من الفقهاء مالكا لقريبه فيعتقه عليه قبل شرائه على أحد القولين في هذه القاعدة على زعم من اعتقدها ! بل هذا كله باطل بالضرورة. ونظائر هذه الفروع كثيرة لا تعد ولا تحصى، ولا يمكن أن نجعل هذه من قواعد الشريعة البتة. بل القاعدة التي يمكن أن تُجعل قاعدة شرعية، ويجرى فيها الخلاف في بعض فروعها لا في كلها، أن من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك هل يعطى حكم من ملك؟ قد يختلف في هذا الأصل في بعض الفروع، ولذلك مسائل:
   المسألة الأولى: إذا حيزت الغنيمة فقد انعقد للمجاهدين سبب المطالبة بالقسمة والتمليك ، فهل يعدون مالكين لذلك أم لا؟ قولان، فقيل يملكون بالحوز والأخذ وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه، وقيل لا يملكون إلا بالقسمة وهو مذهب مالك رحمه الله ...
 المسألة الرابعة : الشريك في الشفعة إذا باع شریکه تحقق له سبب يقتضي المطالبة بأن يتملك الشخصُ المبيعَ بالشفعة، ولم أر خلافاً في أنه غير مالك.
 المسألة الخامسة : الفقير وغيره من المسلمين له سبب يقتضي أن يملك من بيت المال ما يستحقه بصفة فقره أو غير ذلك من الصفات الموجبة للاستحقاق، كالجهاد والقضاء والفتيا والقسمة بين الناس أملاكهم وغير ذلك مما شأن الإنسان أن يعطي لأجله، فإذا سرق هل يعد كالمالك فلا يجب عليه الحد لوجود سبب المطالبة بالتمليك، أو يجب عليه القطع لأنه لا يعد مالكا وهو المشهور؟ قولان. فهذه القاعدة على ما فيها من القوة من جهة قولنا جرى له سبب التمليك في تمشيتها عسر لأجل كثرة النقوض عليها. أما هذا المفهوم وهو قولنا من ملك أن يملك مطلقا من غیر جریان سبب يقتضي مطالبته بالتمليك ولا غير ذلك من القيود، فهذا جعله قاعدة شرعية ظاهرة البطلان لضعف المناسبة جدا أو لعدمها البتة . أما إذا قلنا انعقد له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك، فهو مناسبة لأن يعد مالكاً من حيث الجملة، تنزيلا لسبب السبب منزلة السبب، وإقامة للسبب البعيد مقام السبب القريب، فهذا يمكن أن يتخیل وقوعه قاعدة في الشريعة، أما مجرد ما ذكروه فليس فيه إلا مجرد الإمكان والقبول للملك، وذلك في غاية البعد عن المناسبة، فلا يمكن جعله قاعدة»(هامش [4]).

  ويتبين مما نقلنا عن القرافي أنه يميز بين أوضاع ثلاثة :


أولاً: وضع من ملك أن يملك. كمن ملك أن يملك أربعين شاة ومن ملك أن يتزوج ومن ملك أن يملك خادمة أو دابة ومن ملك أن يشتري أقاربه إذا كانوا عبيداً. هؤلاء جميعا لا يملكون ، فلا يجب على الأول الزكاة، ولا على الثاني الصداق والنفقة، ولا على الثالث الكلفة والمؤونة ، ولا على الرابع العتق، وترجمة ذلك إلى لغة الفقه الغربي أن هؤلاء جميعا ليس لهم حق الملك ، وإنما لهم رخصة التملك، والرخصة ليست بحق.
   ثانياً : وضع من جرى له سبب يقتضي المطالبة بالتمليك، كما في حيازة الغنيمة بالنسبة إلى المجاهدين وفي بيع الشريك لنصيبه بالنسبة إلى شريكه الشفيع، وفي بيت المال بالنسبة إلى المستحق لفقر أو جهاد أو غير ذلك. هؤلاء أيضا، على خلاف في الرأي، لا يملكون بمجرد جریان السبب الذي يقتضي المطالبة بالتمليك. فالمجاهد لا يملك الغنيمة إلا بالقسمة، والشفيع لا يملك الشيء المبيع إلا إذا أخذ بالشفعة. والفقير لا يملك شيئا من بيت المال إلا إذا طالب فأعطي وقبل ذلك إذا سرق وجب عليه الحد. وترجمة ذلك إلى لغة الفقه الغربي أن هذه هي المنزلة الوسطى بين رخصة التملك وحق الملك، فهي دون الملك وفوق الرخصة.
   ثالثاً: وضع من جرى له سبب الملك، كمن اشترى أرضا أو شفع في دار ، فهذا هو الذي له حق الملك .
والذي يعنينا في بحثنا هذا هو الحق ذاته، لا الرخصة ولا هذه المنزلة الوسطى. ونبحث في هذا الصدد مسألتين :
ا۔ الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي.
 ۲۔ حصر مصادر الحق في الفقه الإسلامي، شخصية كان الحق أو عينية .


السابق : كيف خطط السنهوري دراساته عن مصادر الحق في الفقه الإسلامي (وذكاؤه في منهجه العلمي)؟إقرأ :مصادر الحق في الفقه الإسلامي -التمهيد وخطة الدراسة







[1]  جزء أول (1 / 19 - ۲۱).

[2] وهذا ما يقول بلفظه
 »  La faculité appartenant a une personne , en raison d ' une situation juridique spéciale, de produire, parsa seule volonté un effet juridique».

[3]   (265-267)
[4] « الفروق » للقرافي: (20/3 - ۲۰ ).


كشاف كتاب مصادر الحق في الفقه الإسلامي


موضوعات ومجالات مقترحة




كشاف كتاب مصادر الحق في الفقه الإسلامي



مقالات ذات صلة

الحق والرخصة في الفقه الغربي -منزلة وسطى يعرفها الفقه الإسلامي
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح