بحث في موسوعة القانون المشارك

الأربعاء، 11 يوليو 2018

الحق الشخصي تعبير مستعار يشتمل على روابط قانونية متعددة

الحق الشخصي أو الالتزام
 التعبير مستعار من الفقه الغربي
الحق الشخصي أو الالتزام تعبير استعرناه من الفقه الغربي. وإلا فالفقه الإسلامي لا يرد فيه عادة هذا التعبير . وسنرى أن سبب ذلك يرجع إلى أن ما نسميه بالحق الشخصي أو الالتزام يشتمل في الفقه الإسلامي على عدة روابط قانونية متميزة بعضها عن بعض، ولم يحاول علماء الفقه الإسلامي أن يدمجوا هذه الروابط في وحدة تنتظمها جميعا فيعبروا عنها بالحق الشخصي أو الالتزام .
السنهوري-مصادر الحق في الفقه الاسلامي -الالتزام بالدين والالتزام بالعين هما الالتزامان اللذان يرد إليهما في النهاية كل التزام في الفقه الإسلامي. فنقتصر عليهما، وندعوهما كما يدعيان عادة بالدين والعين .



يستعمل فقهاء الشرع الإسلامي في بعض الحالات لفظ «الحق» ويريدون به جميع الحقوق المالية وغير المالية، فيقولون حق الله وحق العبد. ويستعملون لفظ «الحقوق» ويريدون به في حالات حقوق الارتفاق، وفي حالات أخرى ما ينشأ عن العقد من التزامات غير الالتزام الذي يعتبر حكم العقد، فعقد البيع حكمه نقل ملكية المبيع وحقوقه تسليم المبيع ودفع الثمن. ويستعملون أحيانا لفظ «الالتزام»، ويريدون به غالبا الحالات التي يلزم فيها الشخص نفسه بإرادته المنفردة ، ونادرة الالتزامات التي تنشأ عن العقد. أما الالتزامات التي تنشأ عن غير العقد أو التي تنشأ عن المسؤولية العقدية، أي الالتزامات التي تنشأ عن المسؤولية بوجه عام، تقصيرية كانت أو عقدية ، فتسمى بالضمانات .
فإذا أردنا أن نورد تعبيراً فقهياً يقابل لفظ «الالتزام بالمعنى المعروف في الفقه الغربي.وجب أن نستعمل تعبيرين هما «الالتزام» و«الضمان»، ولا نكون بعد ذلك قد استنفذنا جميع الالتزامات التي تنشأ عن مصادرها المختلفة. فلنقتصر إذن على لفظ «الالتزام بمعناه المعروف في الفقه الغربي .
خريطة ذهنية للالتزام -الفقه الاسلامي-السنهوري في كتابه مصادر الحق في الفقه الاسلامي
خريطة ذهنية للالتزام في الفقه الإسلامي-السنهوري من كتابه مصادر الحق في الفقه الإسلامي

 الالتزام يشتمل على روابط قانونية متعددة:

قدمنا أن الالتزام يشتمل على عدة من الروابط المتميزة بعضها عن بعض في الفقه الإسلامي .
ويمكن القول إن هذه الروابط لا تقل عن أربع. فهناك :
?- التزام بالدين.
?- والتزام بالعين.
 3-والتزام بالعمل.
 4 - والتزام بالتوثيق.

 الالتزام بالدين:

فالالتزام بالدين، أو الدين فحسب، هو التزام محله مبلغ من النقود أو جملة من الأشياء المثلية. وهذا هو الذي يتعلق بالذمة. وعرف صاحب (مرشد الحيران، الدين بأنه « ما وجب في ذمة المديون بعقد استهلاك مال أو ضمان غصب»  (م 168).

والصحيح أن مصادر الدين تزيد على ما ذكره «مرشد الحيران». فهي أولا العقد، كالقرض يلتزم به المقترض أن يرد للمقرض مبلغا من النقود أو أشياء مثلية يكون قد اقترضها منه، وكالبيع إذا كان الثمن نقودا أو أشياء مثلية يلتزم به المشتري أن يدفع هذا الثمن للبائع، أما التزام البائع بتسليم المبيع إلى المشتري فهذا التزام بالعين كما سنرى. وهي ثانية الإرادة المنفردة، كالنذر والهبة والوصية، إذا كان محل ذلك نقودا أو مثليات. وهي ثالثا العمل غير المشروع، ولا يقتصر ذلك على الغصب كما ذكر صاحب «مرشد الحيران » . فكل ضمان ينشأ عن غير العقد، كغصب أو سرقة أو إتلاف، يكون محله عوض الشيء المضمون. وهذا العرض. إما أن يكون مبلغا من النقود هي قيمة الشيء المضمون إذا كان قيمية، وإما أن يكون جملة من الأشياء المثلية إذا كان الشيء المضمون مثلية. وهي رابعاً الإثراء بلا سبب في بعض الحالات، فمن دفع شيئا ظانا أنه واجب عليه فتبين عدم وجوبه فله الرجوع به على من قبضه بغير حق (م 207 مرشد الحيران» ، فإذا كان هذا الشيء نقودا أو مثليات كان الرجوع بدين متعلق بالذمة. وهي خامسة الشرع ذاته، كالالتزام بالنفقة ومحله عادة مبلغ من النقود فهو دين متعلق بالذمة.

 الالتزام بالعين:

والالتزام بالعين هو التزام محله عين معينة بالذات لتمليكها أو تمليك منفعتها أو تسليمها أو حفظها، كتمليك أرض معروفة الحدود أو منفعة دار أو تسليم عبد أو حفظ حيوان.
    ومن مصادر الالتزام بالعين الإرادة المنفردة كالوصية بعين معينة، والعمل غير المشروع كغصب عين ينشىء التزاما بردها، أما إذا هلكت العين فإن الالتزام بها يتحول إلى التزام بدين هو رد القيمة أو المثل، والإثراء بلا سبب الوفاء بعين غير واجبة فعلى المستوفي رد العين. على أن أكثر حالات الالتزام بالعين يكون مصدرها العقد. فالبيع إذا وقع على عين معينة بالذات ينشىء التزاما على البائع بتمليكها للمشتري، والأولى في الفقه الإسلامي أن يقال إن العقد ينقل الملك دون أن يسبق ذلك أي التزام. وإيجار العين ينشىء التزاما على المؤجر بتمليك منفعة العين للمستأجر . وكل من البيع والإيجار ينشىء التزاما بتسليم العين المبيعة للمشتري أو بتسليم العين المؤجرة للمستأجر. والوديعة تنشىء التزاما على المودع عنده بحفظ العين المودعة(هامش [1]).

الالتزام بالعمل:

والالتزام بالعمل هو التزام محله صنع شيء معين بعقد استصناع أو أداء خدمة معينة بعقد إيجار .
فالاستصناع هو طلب عمل شيء خاص على وجه معين مادته من الصانع(هامش [2]) وتجوز إجارة الآدمي للخدمة أو لغيرها من أنواع العمل، مع بيان المدة أو تعيين قدر العمل وكيفيته. والأجير قسمان ، خاص ومشترك، فالأجير الخاص هو الذي يعمل لشخص معين مع اشتراط التخصيص عليه، وليس له أن يعمل في مدة الإجارة لغير مستأجره. والأجير المشترك هو الذي يعمل لا الواحد مخصوص كالصانع والمقاول. فالأجير الخاص يؤجر كل وقته للعمل، أما الأجير المشترك فيؤجر نفسه لعمل معين (هامش [3]) .

الالتزام بالتوثيق:

والالتزام بالتوثيق محله كفالة التزام، ومصدره عقد الكفالة. وقد يكون الالتزام المكفول به التزاما بالدين أو التزاما بالعين ويدخل في ذلك الالتزام بالتسليم على الوجه الذي سنبينه فيما بعد . وهناك الكفيل بالنفس، والمكفول به في هذه الحالة هو إحضار المكفول، ويبرأ الكفيل بتسليمه المكفول للمكفول له، حيث تمكنه مخاصمته ولو في غير مجلس الحكم ما لم يشترط تسليمه فيه .
ومن ذلك نرى أن الالتزام بالتوثيق إما أن يكون التزاما تبعيا لالتزام بدين أو بعين، وإما أن يكون التزاما أصليا في الكفالة بالنفس.


الدين والعين:

هذه هي أنواع الالتزام المختلفة ، يتميز بعضها عن بعض كما رأينا، ولا يدمجها فقهاء الشرع الإسلامي في نوع واحد يسمونه الالتزام كما يفعل الفقه الغربي. ومن بين هذه الأنواع المتعددة ليس إلا الالتزام بالدين هو الذي يتعلق بذمة المدين، أما الالتزامات الأخرى فلا تتعلق بالذمة إلا إذا تحولت إلى التزامات بدين على الوجه الآتي :
في الالتزام بتمليك العين أو منفعتها ينتقل الملك في الحال، فلا تتحقق صورة بتعلق فيها الالتزام دينا في الذمة. وقد قدمنا أن هذا لا يعد التزاما في الفقه الإسلامي، فالعقد هو بذاته الذي ينقل الملكية.
وفي الالتزام بتسليم العين أو بحفظها قد يتحقق سبب الضمان في بعض الحالات. فيتحول هذا الالتزام إلى التزام بدفع قيمة العين، فيكون دينا متعلقة بالذمة .
وفي الالتزام بالعمل قد يستأذن القاضي في بعض الحالات أن ينفذ الالتزام على نفقة المدين، فيتحول الالتزام دينا في الذمة بقدر هذه النفقة.

وفي الالتزام بالتوثيق إذا كانت الكفالة بدين كانت هي أيضا دينا يتعلق بالذمة، وإذا كانت الكفالة بعين فإنها تتحول إلى دين بتحول الالتزام المكفول به. أما الكفالة بالنفس، وهي التزام أصلي، فلا تتحول إلى دين يتعلق بالذمة بل إن جزاءها، إذا لم يحضر الكفيل المكفول، أن يحبس الكفيل ما لم يظهر عجزه وعدم اقتداره على إحضار المكفول، ولا يلتزم الكفيل بأداء الدين الذي في ذمة المكفول.

ونرى من ذلك أن الالتزام بالدين والالتزام بالعين هما الالتزامان اللذان يرد إليهما في النهاية كل التزام في الفقه الإسلامي. فنقتصر عليهما، وندعوهما كما يدعيان عادة بالدين والعين .

السابق:

الحق والرخصة في الفقه الغربي -منزلة وسطى يعرفها الفقه الإسلامي









[1] وقد عدد صاحب (مرشد الحيران حالات الالتزام بالعين التي يكون مصدرها العقد في المواد (263 - 265)
على الوجه الآتي: م 263. يصح أن يرد العقد على الأعيان منقولة كانت أو عقارة لتمليكها بعوض أو بغير عوض.
م 264. يصح أن يرد العقد على الأعيان لحفظها وديعة، أو لاستهلاكها بالانتفاع بها فرضا ورد بدلها
ويلاحظ هنا أن الالتزام الناشيء من الاستهلاك بالقرض هو التزام بدين لا بعين).
 م 265- يجوز ورود العقد على منافع الأعيان للانتفاع بها بعوض إجارة، أو بغير عوض إعارة، ورد عينها
لصاحبها (وقد أغفل صاحب المرشد الحيران، النص على الالتزام بالتسليم).

[2] وقيل إنه ينعقد على العين لا على عمل الصانع، فيكون التزاما بعين لا التزاما بعمل حتى إن الصانع لو جاء بشيء من صنع غيره موافق للأوصاف ألزم به المستصنع، ولكن الصحيح أن العقد ينعقد، على عمل الصانع لا على العين، فهو التزام بعمل لا التزام بعين .


[3] انظر المادة 266 من «مرشد الحيران» .

موضوعات ومجالات مقترحة





مقالات ذات صلة

الحق الشخصي تعبير مستعار يشتمل على روابط قانونية متعددة
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح