بحث في موسوعة القانون المشارك

الأربعاء، 11 يوليو 2018

نظرية الذمة - بروز تمييز الدين والعين واختفاء آخر

بروز تمييز واختفاء آخر

التمييز بين الدين والعين غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني
 بروز التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي -نظرية الذمة 
نظرية الذمة في الفقه الإسلامي
-الدين والعين في نطاق نظرية الذمة
-اختفاء التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي

التمييز بين الدين والعين غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني- بروز التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي -نظرية الذمة في الفقه الإسلامي-الدين والعين في نطاق نظرية الذمة-اختفاء التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي
التمييز بين الدين والعين غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني:

وظاهر مما قدمناه أن التمييز بين الدين والعين غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني . فالدين ليس كل الحق الشخصي، بل هو صورة من صوره، والعين تستغرق الحق العيني وبعضا من الحق الشخصي، هو الالتزام بالعين، ومن ثم فالدين أضيق من الحق الشخصي، والعين أوسع من الحق العيني



و يخطيء بعض الفقهاء المحدثين عندما يقررون أن الفقه الإسلامي قد ميز تمييزاً واضحاً بين الحق الشخصي والحق العيني ويوردون التمييز بين الدين والعين، أو بين الدين والحق العيني، كأنه هو التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني([1] ). وعندنا أنه لا حاجة إطلاقا للقول بأن الفقه الإسلامي يعرف التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، بل يجب على النقيض من ذلك إبراز أن التمييز بين الدين والعين وهو التمييز الذي يعرفه الفقه الإسلامي، هو غير التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الغربي المشتق من القانون الروماني، فلكل فقه صناعته التي يتميز بها. وفي هذا دليل واضح على أن الفقه الإسلامي لا تربطه بالقانون الروماني صلة، وإلا لأنتقل التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني إلى الفقه الإسلامي كما انتقل إلى كل قانون اشتق من القانون الروماني ( [2]) .



 بروز التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي -نظرية الذمة:



فالتمييز بين الدين والعين إذن هو التمييز البارز في الفقه الإسلامي، وعلماء هذا الفقه يحرصون على المقابلة ما بين الدين والعين إذا عرضت لهم مناسبة في ذلك : ويقيمون هذا التمييز على أساس الذمة . فيقولون إن الدين يتعلق بذمة المدين، أما العين فلا تتعلق بالذمة، بل يكون الحق ، عينيا كان أو شخصياً . متعلقة بالعين ذاتها . فالتعلق بالذمة أو عدم التعلق بها هو الذي يقوم عليه التمييز بين الدين والعين. ومن ثم وجب أن نستعرض، في كلمات موجزة، نظرية الذمة في الفقه الإسلامي.


 نظرية الذمة في الفقه الإسلامي



الذمة في الفقه الإسلامي هي وصف شرعي يفترض الشارع وجوده في الإنسان، ويصير به أهلا للالزام وللالتزام، أي صالح لأن تكون له حقوق وعليه واجبات. ولما كانت هذه الصلاحية التي ترتبت على ثبوت الذمة يسميها الفقهاء بأهلية الوجوب، إذ يعرفون هذه الأهلية بأنها صلاحية الإنسان للحقوق والواجبات المشروعة، فإن الصلة ما بين الذمة وأهلية الوجوب صلة وثيقة، فالذمة هي كون الإنسان صالحا لأن تكون له حقوق وعليه واجبات وأهلية الوجوب هي هذه الصلاحية ذاتها. والذمة تلازم الإنسان إذ يولد الإنسان وله ذمة بحكم أنه إنسان، ومن ثم تثبت له أهلية الوجوب. فأهلية الوجوب إذن تترتب على وجوب الذمة. ولا يقتصر الفقه الإسلامي في الذمة على ما في الإنسان من الصلاحية للتملك والكسب، أي على نشاطه الاقتصادي فحسب، بل الذمة وصف تصدر عنه الحقوق والواجبات جميعها وإن لم تكن مالية كالصلاة والصيام والحج، أو كانت مالية ذات صبغة دينية كالزكاة وصدقة الفطر والعشر والخراج. ومن ثم كان نطاق الذمة واسعة في الفقه الإسلامي حتى قال فخر الإسلام البزدوي إن الذمة لا يراد بها إلا نفس الإنسان.

وتبدأ الذمة ببدء حياة الإنسان وهو جنين، فتكون له ذمة قاصرة، إذ يجوز أن يرث وأن يوصي له وأن يوقف عليه، ثم يولد حية فتتكامل ذمته شيئا فشيئا، في المعاملات والعبادات والحدود، حتى تصير كاملة . وتبقى ذمة الإنسان ما بقي حيا، وتنتهي بموته. وانتهاء الذمة بالموت تختلف فيه المذاهب .

فالمالكية وبعض الحنابلة يذهبون إلى أن الذمة تتلاشى بالموت. فإن ترك الميت ما لا تعلقت ديونه به، وإلا سقطت .

والشافعية والحنابلة الآخرون يذهبون إلى أن الذمة تبقى بعد الموت إلى أن توفي الديون . ويستشهدون على ذلك بأن الميت قد تترتب في ذمته ديون بعد الموت، كما إذا كان قد باع وهو حي عينة فردت بالعيب بعد موته فإن ذمته تشغل إذ ذاك بثمن البيع، وكما إذا كان وهو حي قد حفر حفرة في الطريق العام فتردى بعد موته فيها شخص وتلف متاعه فإن ذمة الميت تشغل إذ ذاك بالضمان . ثم يرتبون على ذلك أن الدين بعد الموت يبقى متعلقة بالذمة، ولو لم يكن للميت مال ولم يكن بالدين كفيل، فإنه يجوز في هذه الحالة كفالة الدين بعد الموت، إذ هو باق متعلق بالذمة كما تقدم القول. ولا يحول، في هذا المذهب، بقاء الذمة بعد الموت وبقاء الدين متعلقة بها دون أن تنتقل التركة إلى ملك الورثة بالموت في الحال .

والحنفية يذهبون إلى أن الذمة بعد الموت لا تتلاشى ولا تبقى، ولكنها تخرب، ويقويها أن يترك الميت مالا أو كفيلا بدينه. فإن لم يوجد مال ولا كفيل سقط الدين، ولا يجوز في هذه الحالة كفالة الدين بعد الموت كما جاز في قول من يرى بقاء الذمة غير خربة. وتبقى التركة المستغرقة على حكم ملك الميت. أما التركة غير المستغرقة فقد اختلفت الحنفية فيها على أقوال ثلاثة : قيل تبقى التركة غير المستغرقة كالتركة المستغرقة على حكم ملك الميت، وقيل بل تنتقل إلى ملك الورثة، وقيل تبقى على حكم ملك الميت بقدر الدين وتنتقل إلى ملك الورثة فيما جاوز ذلك  [3])


الدين والعين في نطاق نظرية الذمة:



ولما وضعت نظرية الذمة في الفقه الإسلامي على النحو المتقدم، نظر الفقهاء إلى الحقوق المختلفة من هذه الناحية، فوجدوا أن الحق العيني والالتزام بالعين ينصبان على عين معينة بالذات ، فأمكن أن يتعلق الحق بالعين. أما الدين فمحله كما قدمنا مبلغ من النقود أو جملة من الأشياء المثلية، ومن ثم تعذر أن يتعلق الدين بعين معينة بالذات، فلم يبق إلا تعليقه بالذمة إذ هي محل الحقوق والواجبات جميعا. فبرز التمييز بين الدين والعين وقامت المقابلة بينهما على هذا الأساس، فالدين دون العين هو الذي يتعلق بالذمة.

ومنذ تعلق الدين بالذمة استتبع ذلك عدة أمور:
1. منها أن الالتزام بالدين يحتاج في استيفائه إلى وساطة المدين، أما الالتزام بالعين فينصب على العين ذاتها ولا حاجة فيه إلى هذه الوساطة.
2. ومنها أن الدين تتبعه المطالبة . إذ أن وساطة المدين تقتضي مطالبته ، أما العين فلا وساطة فيها ولا مطالبة .
3. ومنها أن الدين يرد عليه الأجل وتصح به المقاصة ويجوز فيه الإبراء، أما الالتزام بالعين وهو متصل بها مباشرة فكالحق العيني لا يتصور فيه أجل ولا مقاصة ولا إيراء.

اختفاء التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي:


ومذ برز التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي لم يظهر التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني. وسبب ذلك واضح فإن الالتزام بالعين اقترب من الحق العيني في خصائصه، وابتعد عن الدين . فالالتزام بالعين كما رأينا ينصب كالحق العيني على العين بالذات، وهو كالحق العيني أيضا لا يحتاج إلى وساطة المدين ولا تتبعه المطالبة ولا يرد عليه الأجل ولا تصح به المقاصة ولا يجوز فيه الإبراء. ولا كذلك الدين، فهو لا ينصب على عين بالذات بل يتعلق بالذمة، وهو يحتاج إلى وساطة المدين، وتتبعه المطالبة ويرد عليه الأجل وتصح به المقاصة ويجوز فيه الإبراء.
ولما اقترب الالتزام بالعين من الحق العيني وابتعد عن الدين أمكن إدماج الالتزام بالعين في الحق العيني وإطلاق لفظ «العين» عليهما جميعا، وأمكنت بعد ذلك المقابلة بين العين والدين على النحو الذي قدمناه ، فبرز التمييز بين الدين والعين كما أسلفنا، وستر ببروزه التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني( [4]).

السابق:

الحق الشخصي تعبير مستعار يشتمل على روابط قانونية متعددة



التالي (قريباً جداً إن شاء الله -جاري إعداده)
هل تطور التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي إلى تمييز بين الحق الشخصي والحق العيني؟
-الحق العيني وحصر الحقوق العينية وتقسيمها إلى أصلية وتبعية



كشاف كتاب مصادر الحق في الفقه الإسلامي





[1]  من ذلك ما قرره الأستاذ مصطفى الزرقا في الجزء الثاني من كتابه الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، (دمشق سنة 1949 طبعة ثانية). فهو في موضع من هذا الكتاب (60- 61) يجعل الالتزام شاملا للالتزام بالدين والالتزام بالعين، وهذا صحيح. ولكنه في موضعين آخرين يخلط تارة بين الحق الشخصي والدين. وطورة بين الحق العيني والعين . فيقول في (19): ومما تجب ملاحظته أن الحق العيني يجب أن يكون الشيء الذي هو موضوعه معينة بذاته كي تنصب عليه سلطة صاحب الحق مباشرة بلا واسطة، فإذا لم يكن موضوعه متعينة في الخارج بل ثابتة في الذمة كالدين لا يكون الحق عينياً بل شخصياً ». ويمثل لهذا الدين الثابت في الذمة الذي أورده في آخر عبارته بحق المغصوب منه على الغاصب في أن يرد المغصوب إلى المكان الذي غصبه منه. وهذا الحق في الفقه الإسلامي عين لا دين وجعله دينا لإدخاله في نطاق الحق الشخصي هو حصر الحق الشخصي في الدين، وقد رأينا أن الحق الشخصي أوسع نطاقا . ثم يقول الأستاذ الزرقا في (20): «كثيراً ما ينقلب الحق العيني إلى شخصي.. كما في المغصوب، فإنه ما دام باقية عيناً على حالها في يد الغاصب فللمالك حق عيني فيه يسوغه طلب استردادها. وهنا يبدو أن المؤلف رجع عن اعتبار حق المغصوب منه على الغاصب في أن يرد المغصوب دينا، ولكن ليعتبره حقأ عينياً . والصحيح أن هذا الحق شخصي لا عيني، والذي أوقع اللبس فيه أنه عين لا دين فخلط بالحق العيني هنا، ثم هو شخصي لا عيني، فخلط بالدين هناك، أنظر أيضا (20) من هذا الكتاب حيث يذهب المؤلف إلى أن الوفاء بمقابل يقلب الحق الشخصي حقا عينياً، والصحيح أن حق الدائن بقي حقا شخصياً حتى انقضى بالوفاء، ولم ينقلب إلى حق عيني. وكل هذا يدل على غرابة التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني على رجال الفقه الإسلامي، حتى إن بعض هؤلاء عندما يذهبون إلى الأخذ بهذا التمييز قد تخطئهم الدقة أحيانا في تبنيه. وكان الأستاذ علي الخفيف معتدلاً في نظرته عندما تناول هذا الموضوع في محاضرته لقسم الدكتوراه في الحق والذمة وتأثير الموت فيهما »  سنة 1945 (54-81).

[2]  ومن رأينا أن ابتعاد الفقه الإسلامي عن الأخذ بهذا التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني، وهو تمييز جوهري في القانون الروماني وعدم توسعه في الأخذ بنظرية الإثراء بلا سبب على الوجه الذي سنبينه فيما يلي وهي نظرية توسع فيها القانون الروماني إلى حدود بعيدة ، من أوضح الأدلة على أن الفقه الإسلامي لم يتأثر بالقانون الروماني (انظر كتابنا في نظرية العقد، 69 - 271). هذا إلى أن نزعة الفقه الإسلامي موضوعية ونزعة القانون الروماني ذاتية . وقد رأينا أن نبرز هذه الفروق بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص على النحو الذي أشرنا إليه فيما تقدم.


[3]  انظر في هذا الموضوع محاضرات الأستاذ علي الخفيف في «الحق والذمة وتأثير الموت فيها» سنة 1945 ( 82 / 95 )، وانظر أيضا «أحكام التركات والمواريث» للأستاذ محمد أبو زهرة سنة 1999 ( 17 - 29 ). وهذه هي الخطوط الرئيسية لنظرية الذمة في الفقه الإسلامي. ونورد هنا الخطوط الرئيسية لنظرية الذمة في الفقه الغربي لعقد مقارنة بين النظريتين. فالذمة على النحو الذي صاغ به النظرية الفقيهان المعروفان أوبري ورو، هي مجموع الحقوق الموجودة أو التي قد توجد والالتزامات الموجودة أو التي قد توجد لشخص معين، ويستخلص من ذلك معنيان:
 أولا : أن الذمة مجموع من المال.
 ثانيا : أن الذمة هي الشخصية القانونية، ما دام يدخل فيها الحقوق والالتزامات التي قد توجد، فهي إذن القابلية لكسب حق أو ترتيب التزام، وهذه هي الشخصية القانونية . ويترتب على أن الذمة مجموع من المال النتائج الآتية :
 ا? يكون للدائنين حق ضمان عام على هذا المجموع من المال لا على مال معين بالذات. وهذا يفسر أن الدائن يستطيع التنفيذ على مال للمدين لم يكون موجودة وقت نشوء الدين لأن هذا المال قد اندمج في المجموع فأصبح أحد عناصره. ويفسر أن الدائن لا يستطيع التنفيذ على مال كان موجودة لذمة المدين وقت نشوء الدين، وخرج من ملكه وقت التنفيذ، لأن هذا المال قد خرج من المجموع فلم يعد محسوبة في عناصره.
 2- ينتقل حق الدائنين بعد موت المدين إلى تركته كمجموع من المال . ذلك أن ذمة المدين كمجموع من المال بما يشتمل عليه من حقوق والتزامات، تنتقل من المدين إلى ورثته فيصبح الورثة مسؤولين عن التزامات المورث، إما دون حد إذ تعتبر شخصية الوارث استمراراً  لشخصية المورث، وإما في حدود ما انتقل إلى الورثة من الحقوق بطريق الميراث ويتم هذا باستعمال الورثة لحق الانتفاع بالجرد.
 bénéfice d'inventaire
3- تقوم نظرية الحلول العيني على فكرة المجموع. فحيث يخرج مال من المجموع ويحل محله مال آخر. فثم حلول عيني، ويصبح المال الجديد من عناصر المجموع مكان المال القديم. ومن أمثلة الحلول العيني في القانون الفرنسي ما يطرأ من حلول
 في مال الزوجية المشترك (communauté
ومال الزوجة الخاص (propre
ومال المهر (dot
والمال الذي كسبته الزوجة بعملها،
 والتركة التي قبلها الوارث منتفعة بحق الجرد، 
والمال الموهوب أو الموصي به بشرط عدم التصرف فيه أو بشرط تحويله إلى مؤسسة أو بشرط أن ترثه أجيال محددة Substitutions permises 
ومن أمثلة الحلول العيني في القانون المصري ما يطرأ من حلول في تركة تحت التصفية، وفي مال كسبه بعمله صبي في السادسة عشرة، وفي مال موهوب أو موصي به بشرط عدم التصرف. 
والرأي الحديث يذهب إلى أن الحلول العيني يقوم، لا على فكرة المجموع بل على فكرة قيام نظام قانوني خاص   (régime Juridique Spéciale)
لمال خصص لغاية معينة affectation a un but spéciale
سواء كان مجموعاً من المال أم مالا معيناً بالذات، ولهذا الرأي تطبيقات كثيرة، منها استرداد الوارث الحقيقي للتركة من الوارث الظاهر، واسترداد الغائب لما له من أقيم عليه وكيلا، وحلول التعويض أو مبلغ التأمين محل العين المرهونة عند هلاكها، وحلول المفرز الذي آل بالقسمة محل المفرز ضمن عين شائعة وقع التصرف فيها ببيع أو رهن، وحلول عين محل أخرى في استبدال الوقف 
 (انظر في هذا الرأي الحديث رسالة غير مطبوعة للدكتور إسماعيل غانم في الذمة المالية). 
ويترتب على أن الذمة هي الشخصية القانونية ما يقال عادة من أن الذمة لا بد لها من شخص، ومن أن لكل شخص ذمة، ومن أن الشخص الواحد لا تكون له إلا ذمة واحدة، فالذمة إذن كل لا يقبل التصرف ولا التجزئة . أما أن الذمة كل لا يقبل التصرف فهذا واضح، لأن الذمة هي القابلية لكسب حق أو ترتيب التزام، ولا يستطيع الشخص أن يتصرف في هذه القابلية ، ويرتب أوبري ورو على هذه الخاصية عدم جواز التصرف في التركة المستقبلة، واستمرار شخصية المورث في شخصية الوارث فتنتقل جميع الديون إلى الوارث ويصبح السند القابل للتنفيذ في حق المورث نافذا في حق الوارث وتضاف حيازة المورث إلى حيازة الوارث. فإذا أريد تحديد مسؤولية الوارث عن ديون مورثه يقدر ما انتقل إليه من الحقوق بالميراث، وجب إمّا افتراض بقاء المورث حيا بعد موته إلى أن تصفي ديونه، وإمّا افتراض أن للوارث شخصيته الأصلية مزدوجة بشخصية المورث إلى أن تتم التصفية . وإمّا أن الذمة كل لا يقبل التجزئة فغير واضح: بعد أن رأينا أن الشخص الواحد قد ينفصل من ماله جزء يخضع لنظام قانوني خاص بسبب تخصيصه لغاية معينة. ولكن يمكن القول، توجيها لهذا الرأي، إنه حتى عند تعدد الذمم المالية، فإن كل ذمة منها لا تقبل التجزئة في ذاتها . 

ومن هذا العرض يتبين أن الذمة في الفقه الإسلامي تختلف عن الذمة في الفقه الغربي، ويمكن تلخيص وجوه الخلاف فيما يأتي:
 1- الذمة في الفقه الإسلامي وحسب تصدر عنه الحقوق والواجبات المالية وغير المالية، أما الذمة في الفقه الغربي فلا تشمل إلا الحقوق والالتزامات المالية .

2- وحتى في نطاق المال : تبدأ الذمة في الفقه الإسلامي بالشخص، ثم تنتهي إلى المال (وفي الديون دون غيرها)، أما الذمة في الفقه الغربي فتبدأ بالمال، ثم تنتهي إلى الشخص .

 3- والذمة في الفقه الإسلامي لا تجعل المال مجموعة تفني فيه عناصره كما هي حال الذمة في الفقه الغربي ولا يكون المال مجموعة في الفقه الإسلامي، حتى عند الحجر أو مرض الموت وحتى بعد الموت، ففي هذه الأحوال الثلاثة تتعلق الديون بمالية الأعيان لا بذواتها كما في الرهن، ولكن مال المدين لا يكون مجموعة كما في الفقه الغربي، بل إنه لا يوجد تلازم بين الذمة والتركة في الفقه الإسلامي، فقد تبقى الذمة قائمة وتنتقل التركة مع ذلك إلى الورثة . 

ويمكن القول بوجه عام أن الفرق الجوهري ما بين الذمة في الفقه الإسلامي والذمة في الفقه الغربي هو أن الفقه الإسلامي ينظر إلى الذمة كشخصية قانونية لا كمجموع من المال، ومن ثم سهل على الفقهاء المحدثين أن ينسبوا للذمة في الفقه الإسلامى الخصائص التي يفرعها الفقه الغربي على فكرة الشخصية القانونية، فيقولون إن الذمة لا تثبت إلا لشخص، وإن لكل شخص ذمة، وإن الشخص الواحد لا تكون له إلا ذمة واحدة (انظر المراجع السابق الإشارة إليها للأساتذة علي الخفيف، ومحمد أبو زهرة ومصطفى الزرقا والدكتور إسماعيل غانم (268) وما بعدها).


[4]  ويعلل الأستاذ شفيق شحاتة في كتابه «نظرية الالتزامات في الشريعة الإسلامية» (197 - 199) عدم وضوح التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني بالصبغة المادية التي اصطبغ بها الحق الشخصي فقارب الحق العيني، ويمكن أن نرد ما قاله في هذه المسألة إلى النقط الآتية :

 1- عنصر المطالبة هو الذي يميز بين الحق الشخصي والحق العيني. فهو الذي يظهر أن الالتزام يتضمن ارتباط بين شخصين. أما الحق العيني فلا يتضمن المطالبة إذ ليس هناك من يعترض صاحب الحق دون الشيء محل الحق.

 2- ومع ذلك لم تلتفت الفقهاء إلى عنصر المطالبة في الالتزام، وأغفلت النظر إلى الرابطة الشخصية ما بين صاحب الحق والمدين بالحق أو بين الطالب والمطلوب، ووجهت اهتمامها إلى موضوع الحق ، فصبغت الالتزام بذلك صبغة مادية بحتة.

3- وقد فعلوا ذلك في الالتزام بالعين حيث تكون العين في غالب الأحيان محلا كذلك لحق عيني فيحجب الحق الشخصي وفي الالتزام بعمل وهو ليس في الواقع إلا عبارة عن التزام بتسليم شيء أو بصنع شيء أو الانتفاع بشيء.

 4- بل فعلوا ذلك أيضا في الالتزام بالدين، فلم ينظروا إليه إلا على أنه شيء أو مال حكمي، حتى أنهم قسموا الأموال جميعها إلى قسمين وهما الدين والعين.

5- وإذ صبغ الفقهاء الالتزام بمختلف أنواعه هذه الصبغة المادية، وأبرزوا في كل من الدين والعين موضوع الحق دون الرابطة الشخصية، فقد خلطوا ما بين الحق الشخصي والحق العيني، ولم يكن لفكرة الالتزام بعد ذلك كله إلا أن تنطمس انطماساً كلياً .

هذه هي حلقات السلسلة المنطقية التي ساقت الأستاذ شفيق شحاتة إلى القول بغموض التمييز ما بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي، وأبرزناها واحدة بعد الأخرى يسوق بعضها بعضا، حتى يتبين نظره في وضوح وجلاء. ونحن نقره فيما ذهب إليه من غموض التمييز ما بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي لكنا نتردد كثيراً في أن نقول معه إن الفقهاء لم يبرزوا عنصر المطالبة أو الرابطة الشخصية في الدين، وإنهم أبرزوا موضوع الحق في الدين والعين على السواء. ونرى أن التمييز ما بين الحق الشخصي والحق العيني إذ ظل غامضاً في الفقه الإسلامي، فإن التمييز ما بين الدين والعين برز واضحاً كل الوضوح.
وها نحن نوضح نظرنا في حلقات متسلسلة على النحو الذي أوضحنا به نظر الأستاذ شفيق شحاتة :

 1- أن عدم وضوح التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني في الفقه الإسلامي سببه أن هذا التمييز قد ستره تمييزاً آخر أكثر منه وضوحا هو التمييز بين الدين والعين.
 2- فالدين يتعلق بالذمة ولا يتعلق بعين معينة، ثم هو يتضمن عنصر المطالبة لأن المدين يطالب به ولا بد من وساطته في الوفاء . أما الالتزام بالعين فلا يتعلق بالذمة بل يتعلق بعين معينة، ثم هو لا يتضمن عنصر المطالبة فلا حاجة لوساطة المدين في الوفاء.
 3- ومن ثم اقترب الالتزام بالعين من الحق العيني وابتعد عن الدين، إذ أن الخصائص الأساسية للالتزام بالعين تتلاقى مع الخصائص الأساسية للحق العيني، وهي في الوقت ذاته عکس الخصائص الأساسية للدين . فكان من ذلك أن فصل الفقهاء الدين عن العين، وجعلوا العين شاملة للالتزام بالعين والحق العيني جميعا . فبرز التمييز بين الدين والعين، واختفى التمييز بين الحق الشخصي والحق العيني.
4-وقد حافظ الفقهاء على هذا النظر في الحوالة. فأجازوا حوالة الدين لأن الدين يتضمن عنصر المطالبة ، ولم يجيزوا حوالة العين لأن عنصر المطالبة منعدم في الالتزام بالعين.
 5- ولكنهم في الكفالة أجازوا كفالة الدين والعين، فقربوا هنا العين من الدين وأبعدوها عن الحق العيني. على أن الشافعي كان أكثر التزاما لمنطق التمييز بين الدين والعين، فلم يجز الكفالة في العين وأجازها في الدين .

السابق:

الحق الشخصي تعبير مستعار يشتمل على روابط قانونية متعددة



التالي (قريباً جداً إن شاء الله -جاري إعداده)
هل تطور التمييز بين الدين والعين في الفقه الإسلامي إلى تمييز بين الحق الشخصي والحق العيني؟
-الحق العيني وحصر الحقوق العينية وتقسيمها إلى أصلية وتبعية



موضوعات ومجالات مقترحة


مقالات ذات صلة

نظرية الذمة - بروز تمييز الدين والعين واختفاء آخر
4/ 5
بواسطة

إشترك بالنشرة البريدية

لا تترد في الإشتراك عن طريق البريد الإلكتروني،للحصول على أخر اخبارنا

ماذا يجول بخاطرك ؟ لاتتردد !! عبّر عن نفسك .بعض الكلمات ستتدفق وبعضها سيتعثر لكنها تسعدنا مهما كانت.

بحث مخصص في الشروح